تمهيد 

 

هذا هو العدد العاشر من فصلية الكتب الإسلامية وقد خصصناه على غرار العددين السابقين لموضوع حقوق التأليف والملكية الفكرية، حيث نأمل في هذه السلسلة تزويد الباحثين بمعلومات مفيدة تشكّل فرصة مناسبة لهم لتحقيق تطوّر في البحوث العلمية كمّاً ونوعاً.

تعتبر حقوق التأليف للمصنّفات الثقافية والفنية من القضايا المهمة في الحركة المعلوماتية في عالم اليوم. بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، لم يصدر عن المؤسسات الثقافية الحكومية وكذلك الفقهاء أي دراسات تحليلية مهمة تتناول هذا الموضوع، حتى طرحت مسألة انضمام إيران إلى منظمة الجات (الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة) في عام 1993، حيث كلّفت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بإجراء دراسة حول الموضوع، فقدّمت تقريراً حمل عنوان «تقييم نتائج انضمام إيران إلى منظمة التجارة العالمية في مجال الملكية الفكرية».

يمكن أن نعزو سبب صمت بعض المحافل وتواني بعض الشخصيات والمؤسسات في هذا المجال إلى ثلاثة عوامل هي:

ألف: انعدام أو ضعف الدراسات الشاملة والمفيدة. مع الأسف، تحوّلت الإدارة الثقافية في البلاد إلى إدارة أزمة، ولا تتاح للمدراء الفرصة المناسبة لإنجاز الدراسات، ولا يبدون أي رغبة جدية فيما يتعلق بدراسة ونقد الاحتياجات الموجودة. من ناحية أخرى فإنّ عدم توفّر إحصاءات دقيقة تبيّن العواقب الاقتصادية التي ستخلّفها عدم رعاية حقوق المؤلف، وتلازم الانتعاش الثقافي مع مقولة الملكية الفكرية، وكذلك الخطوط الحمراء الموضوعة قد ضيّقت المجال على المختصّين في هذا الحقل.

ويمكننا القول بأنّه لم تجر أي دراسة ميدانية في هذا الموضوع، ولم تطرح أي إحصاءات شاملة حول الملكية الفكرية في إيران. في حين أنّها تعدّ من المسائل البنيوية للحقوق الثقافية.

ب. الموانع التنفيذية والحقوقية: إنّ الانضمام إلى المنظمات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالملكية الفكرية تتطلّب نفقات إدارية ومالية وجهوداً إنسانية، وهذا سيحرم شريحة معينة من الاستخدام الرخيص أو المجاني للمنجزات العلمية للآخرين، وهي تعتقد أنّ هذا الحرمان سيبعد إيران عن مسيرة التنمية الاقتصادية والعلمية. في مقابل هؤلاء، هناك فريق يعتقد بأنّ هذه الشريحة تفكّر بمصالحها، وأنّ انضمام إيران إلى المسيرة العالمية للملكية الفكرية لا يعدّ حرماناً، بل سيشجّع مصنّفي الآثار الثقافية والفنية على تصدير آثارهم إلى إيران، وسينقذ الباحث الإيراني من التخلّف الثقافي والعلمي. وهناك موانع تتعلق بالأجهزة القضائية والتشريعية في إيران، والتي لم تخطو أي خطوة في هذا الطريق.

ج. عدم التنقيح الدقيق للأصول الفقهية: تقليدياً، لا يعترف الفقهاء الشيعة بأيّ حقوق للمؤلف، وقد طرحت في العقد الأخير آراء فقهية كثيرة لحل هذا الإشكال، لكنها لا تزال بعيدة عن التحليل واستيعاب متطلبات العالم الجديد، فعدم وجود دراسات موضوعية مختصة ودقيقة في ميدان الفقه، كان لها آثار لم تأخذ بالحسبان المصالح الاجتماعية.

بشكل عام، فإنّ الدول العربية كان لها دراسات أوسع في هذا المجال يمكن أن تشكل عوناً مناسباً للباحث الإيراني، فضلاً عن أنّ الفقه في هذه البلدان قد أخذ نصيباً في هذه القضية.

على أيّ حال، فإنّ حقوق المؤلف وحقوق المخترعين وبشكل عام حقوق المصنّفين هي من القضايا الجديدة التي لها علاقة بالتقدم الثقافي والارتقاء العلمي. وأقل ما يمكن فعله لهذه الشريحة هو احترام حقوقهم والدفاع عنها، وتشجيعهم على مواصلة العطاء الثقافي وبالتالي خصوبة العلم والثقافة، ومن ناحية ثانية، فإنّ عدم رعاية حقوقهم تعني عزلتهم أو فرارهم ما يعني نضوب البلاد من هذه الأدمغة والنخبة.

لهذه الأسباب مجتمعة، شرعت الدول الغربية منذ القرن الثامن عشر بإصدار القوانين والاتفاقيات الخاصة بحماية حقوق المبدعين، وبهذه الطريقة مهدت السبيل أمام التطور العلمي والثقافي. توجد حالياً عدّة منظمات عالمية ترعى الشؤون القضائية والتعليمية والبحثية لحقوق التأليف، والتي من جملتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية(WIPO).