الملكية الفكرية في الإنترنيت
منح الوصلات وآثار ذلك[1]

إدوارد كاوازوس

كو مايلز

 

تنبيه

تطرح المقالة بعض المسائل ذات الصلة بالملكية الفكرية في ضوء التعقيد الذي يكتنف القضايا الحقوقية الخاصة بنظام الوصلات في الشبكة العالمية (الإنترنيت). ملفا «صفحة دلبرت هوك» و«توتال نيوز» حدثان قضائيان عاديان، ولكن من خلال تحليلهما يتّضح لنا حجم التعقيدات الحقوقية التي تحيط بمسألة الوصلة في الشبكة العالمية.

هنا، يقوم المؤلفان بتحليل أبعاد هذه المسألة الجديدة بدقة، والهاجس الأساسي المطروح هو حل الإشكال الحاصل في الشبكة العالمية، فمن ناحية، تتطلب طبيعة الشبكة العالمية الوصل بين أجزائها وفروعها، ومن ناحية أخرى، يتحتم وجود ترخيص لأي وصل أو ربط بين الفروع، ما يعني حدوث خلل في النظام الرابط في الشبكة، أو على الأقل هبوط في السرعة والأداء.

 

تعتبر الشبكة العالمية (WWW) في الغالب وسيلة تعامل مع الإنترنيت، ويخلط معظم الناس بينها وبين الإنترنيت وبالعكس، في حين أنّهما مفهومان مختلفان في المعنى والاستخدام. صحيح أنّ الانترنيت واستخداماته يرتبط بفترة تأسيس اتفاقيات الشبكة العالمية التي تمّت خلال عقود، لكن مع ذلك، وبالنظر إلى الفضاء الواسع الذي يغطيه الإنترنيت والذي اختصّ حالياً بنقل الصفحات، لا يوجد شك بأنّ الشبكة العالمية أصبحت أوسع شبكة حاسوبية. بعبارة أوضح، إنّ (WWW) أو الشبكة العالمية عبارة عن مجموعة عقود أو اتفاقيات تتيح الحصول على البيانات المختلفة في مختلف المناطق الجغرافية بواسطة اتصالات متعدد الوسائط.

عندما يحصل المستخدم على البيانات عن طريق قوانين الاتصال هذه (البروتوكولات)، فإنّ بإمكانه الحصول على بقية البيانات المتّصلة بها عن طريق الوصلات المعروضة، حيث تتيح للمستخدم الحصول على


بيانات متّصلة ببعضها. وبناء على هذا، فإنّه على سبيل المثال، لا يكتفي بالمصادر المذكورة في أسفل الهوامش لمقالة ما متاحة على الإنترنيت، بل يمكنه، في حال رغب بذلك، أن يحصل على المصادر كاملة عن طريق الانتقال بواسطة الوصلات، وهذه بالتحديد التي تعطي للشبكة العالمية قابلية الإحالة للبيانات، وهو نوع من الارتباط، وبالتالي، فإنّ النفوذ عبر الشبكة يتخذ مساراً غير خطي.

وهذا النوع من الارتباط في الشبكة العالمية يثير بعض التساؤلات الحقوقية، مثلاً، هل يستلزم استخدام الوصلات مراعاة حقوق الملكية الفكرية؟ هل يمكن تخمين الالتزامات القانونية المترتبة على الاستخدام غير المجاز للوصلات؟ تركّز هذه المقالة على هذه الأسئلة والإثارات المتعلقة بالموضوع، وتناقش مفهوم وطبيعة القوانين الارتباطية الشبكية (البروتوكولات)، وتستعرض العمليات الحقيقية التي تحصل عند الارتباط. بعضها أمثلة ونماذج واقعية ليمكن عن طريقها الإحاطة ببعض القضايا والموضوعات الخاصة بحقوق الملكية الفكرية في مجال الشبكة العالمية (ويب). كما يتمّ التطرّق سريعاً إلى القوانين واللوائح الخاصة بالملكية الفكرية في شبكة الويب، والمشاكل القانونية الخاصة الناجمة عن الارتباط غير المجاز الذي نوّهنا عنه آنفاً.

 

صفحة دلبرت هوك[2]

قصة دلبرت هي قصة فكاهية مصورة وشهيرة، تستعرض تاريخ التجارة ومراحل تطورها، ودلبرت هي شركة طفيلية تواجه مشكلة البيروقراطية، وفي نفس الوقت تملك شركة يو أم، وهي الجهة التي تملك امتياز القصص الفكاهية لدلبرت، موقعاً على الويب، يتيح للمستخدمين مشاهدة أحدث الأفلام الكارتونية لدلبرت، وشراء انتاجها، أو الاتصال بشركة يو أم أو مؤلف هذه القصص الفكاهية (سكوت آدامز). في يناير عام 1996، استحدث أحد خريجي جامعة برينستون موقعاً على الشبكة العالمية أسماه موقع دلبرت هوك، ليتمكن المستخدمون من الإطلاع على آخر القصص الفكاهية لدلبرت في إطار مختلف عن الأطر التي تعرضها يو أم.

لا تحتوي صفحة دلبرت هوك على ملفات مرئية (فيديوية)، ومعدّ الصفحة لا يقوم باستنساخ كارتون دلبرت أبداً، لكن تحتوي الصفحة على العنوان الدقيق للملفات المرئية، وعلى هذا الأساس، فإنّه يمكن الحصول على هذه الملفات من قبل المستخدم والاتصال بصفحة دلبرت، وذلك مباشرة عن طريق موقع دلبرت الخاص التابع لـ يو أم.

في يناير عام 1996 أخبرت شركة يو أم معدّ صفحة دلبرت بأنّ القصص الفكاهية لدلبرت هي من جملة الحقوق المعنوية لـ يو أم، وبالتالي لا يمكن الاستفادة منها دون الحصول على ترخيص تحريري. ثم تلا ذلك إخطار من المستشار القانوني لـ يو أم يتهم صفحة دلبرت بانتهاك قانون حماية الملكية الفكرية، مهددة إياها باتخاد كافة الإجراءات القانونية الرادعة بحقّها، حتى انتهى الأمر إلى أن تتوقّف صفحة دلبرت عن الاستفادة في أغسطس من عام 1996 وذلك بسبب مواجهته لحكم قضائي غير محدد.

توتال نيوز

النموذج الآخر المثير هي توتال نيوز، حيث قامت بالاستفادة من تقنية النطاقات (Frame)، وفي حين أن المستخدم يقوم بمشاهدة علامات (Logo) توتال نيوز والإعلانات التجارية المتعلقة بها، يتصفح المحتوى من عدّة مصادر للبيانات. تقوم توتال نيوز بالاستعانة بهذه النطاقات بتقسيم نافذة المتصفح إلى أربعة جهات، الجهة الأولى وتشمل عدد من الوصلات تشمل مصادر خبرية مثل CNN، CBC، USA Today، والجهة الثانية تضمّ علامتين (Logo) تتأرجح بين علامة توتال نيوز وعلامة صاحب الإعلان التجاري، أما الجهة الثالثة، فتحتوي على الأخبار، وعندما يختار المستخدم وصلة معينة في الجهة الأولى، تظهر البيانات الموجودة الجهة الثالثة. أما الجهة الرابعة التي تتغير باستمرار فتضمّ الإعلانات التجارية. تتيح طريقة توتال نيوز في الاستفادة من هذه النطاقات للمستخدمين عرض علاماتهم الخاصة بهم بالتزامن مع تصفّحهم لمحتويات المصادر الأخرى المستقلة. وفي حالة عدم إبراز المصدر الموزّع للخبر علامته أو أي علامة مميزة أخرى في أي قسم من البيانات، سيتبادر إلى المتصفّح للأخبار هذا السؤال وهو لمن هذه البيانات الظاهرة؟ في فبراير 1997 قدّمت عدد من المواقع الخبرية التي لتوتال نيوز وصلات معها، طلباً زعمن فيه أنّه بالإضافة إلى بقية الحالات، فقد تمّ انتهاك حقوقهم وعلامتهم التجارية من قبل المستخدمين والاستفادة غيرالمرخّصة. يقوم قانون الملكية الفكرية بحماية المصنّفات الإبداعية للمصنِّفين التي تعتبر بشكل أو بآخر وسيلة ملموسة للتعبير. ولما كانت صفة الإبداع تطلق على المصنَّف الذي يتمخض كنتيجة لموهبة المصنِّف حصراً، والذي يحتوي الحدّ الأدنى من الموهبة، لذا يبدو أنّ جميع الدوريات المتاحة في الشبكة العالمية تتوفر على شروط الحماية لقانون حماية الملكية الفكرية. إنّ التمتّع بالحقوق الحصرية للملكية الفكرية وحسب القانون المعني هي من جملة المزايا الحاصلة في هذا المجال. يعترف هذا القانون بستّة حقوق حصرية هي:

1.‏ الإبداع.

2.‏ إعداد المصنَّفات المقتبسة.

3.‏ التوزيع والنشر العام.

4 و 5.‏ التنفيذ أو العرض العام.

6.‏ التنفيذ العام بواسطة البث الراديوي والرقمي.

ويمكن تطبيق هذه الحقوق على نحو سلبي، ومنع أي استفادة منها. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأساليب القانونية الراهنة تبيّن أنّه في حالة البيانات، فإنّ المعلومات التي تعنى بالعلوم العامة ولقطات العرض والزمان والاستعارات المكررة لا تمنح حقاً حصرياً. لكي يمكن إلقاء المسؤولية على الشخص فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية يجب أن يحمل العامل الموصل للموضوعات الحصرية على شروط «النقض الواضح»[3] أو على الأقل «النقض الثانوي»،[4] وعليه، قبل أن نحدّد حدود مسؤولية المرتبط عن طريق الوصلات، يجب أن نوضّح المقولتين السابقتين.

النقض الواضح

يشير هذا القانون صراحة إلى «أنّ المنتهك لحقوق المصنِّف الحصرية في الملكية الفكرية يعتبر منتهكاً لقانون الملكية الفكرية»، ولإثبات ذلك يلزم شرطان:

1.‏ الأول، حيازة حق حصري معترف به.

2.‏ أخذ نسخة من عناصر الإبداع والابتكار للمصنَّف.

المهم هو أنّ القانون المذكور لا يعتني بنوايا الشخص المنتهك لقانون الملكية الفكرية، فمتى ما أحرزت إجراءات الشخص على هذين الشرطين، يعتبر منتهكاً ومسؤولاً أمام القانون.

النقطة التي يتمّ هنا التركيز عليها هي التأثير الذي يتركه العمل المنفرد في الشبكة العالمية على الحقوق المسجلة للمتمتع بحقوق الملكية الفكرية. على سبيل المثال، صرّحت محكمة ناين سركيت، يعدّ الاستنساخ انتهاكاً لقانون الملكية الفكرية في حالة نقل البرنامج الحاسوبي من محل حفظه الدائم إلى ذاكرة القراءة
(
Rom) للحاسوب. وعلى هذا المنوال استنتجت جميع المحاكم بعد اصدار هذا القانون الأساسي أنّ نقل ملف حاسوبي من نظام الحاسوب عن بعد إلى حاسوب المستخدم هو من مصاديق الاستنساخ الذي تترتب عليه حقوق حصرية لصاحب المصنَّف، وكذلك الحال بالنسبة لحقوق العرض والتوزيع والنشر العمومي والحقوق المقتبسة. قام المدّعى عليه في قضية «شركة ميراج إديشن في مقابل شركة ألبو كويرك أي آر تي» بتقليد الأعمال الفنية لعدد من الكتب، واستخدامها في موضوع الموزائيك وبيعها لغرض تحقيق مكاسب تجارية. وقد اعتبرت محكمة ناين سركيت من غير أي دراسة أو تحليل بتحميل المدّعى عليه مسؤولية انتهاك حقوق الملكية الفكرية، وهي كسب الترخيص لإبداع الأعمال المقتبسة. وقد توصلت محكمة سيفنس سركيت في قضية لي ضد شركة آلبوكويرك إي آر تي، وعلى غرار القضية السابقة، إلى قرار مفاده أنّ الحقوق المقتبسة للمتمتّع بحقوق الملكية الفكرية قد انتهكت، وقد استدلت المحكمة بلصق العمل الفني على الموزائيك والذي يمكن مقارنته مع عملية القولبة بهدف التصوير، وهو عمل لا يؤدي بأيّ حال، إلى تغيير أو إعادة صياغة أو تحوير العمل الأصلي. وقد جرّمت المحكمة في قرار آخر أصحاب المقتنيات والسوّاح وجميع الأشخاص الذي يبتاعون تلك الأعمال الفنية. وفي الحقيقة، فإنّ المحكمة في قضية ميراج قد ذهبت أبعد ممّا هو مذكور في اللوائح بإعطاء الحقوق للمصنِّف في ما يتعلق بالحقوق المقتبسة. بعبارة أدق، إنّ قانون الملكية الفكرية يقوم بحماية الحقوق الأخلاقية للمصنِّف وذلك بهدف الحيلولة دون التحريف والانتهاك أو أي تغيير عمدي في المصنَّف والذي يسيء إلى سمعة المصنِّف وشهرته». وحتى هذه الحقوق، فهي تقتصر على الأعمال الفنية التشكيلية، وهي بدورها أيضاً تنحصر في الرسم والتصميم والطباعة والنحت أو التصوير، والتي توجد منها نسخة واحدة، والتي يتمّ استنساخ 200 نسخة أو أقل، وتكون موقّعة من قبل المصنِّف.

قالت بعض المحاكم بأنّ القبول بنهج الانتهاك للآخرين هو نفسه يعدّ نوعاً من انتهاكاً صريحاً. أما تاريخ القوانين فيقول أنّ الهدف من استخدام كلمة القبول هو سدّ الطريق أمام طرح المناقشات الخاصة بمسؤولية المنتهكين الثانويين. وعلى هذا الأساس، لا غرابة إذا علمنا أنّ جميع المحاكم القضائية قد أبدت تردداً في ما إذا كان إعطاء الترخيص يعدّ نوعاً منفصلاً من النقض الصريح أم لا؟

هل أنّ عملية إقامة الوصلات هي انتهاك صريح؟ ويبدو من مسألة صفحة دلبرت هوك وتوتال نيوز، وفي ظروف شبيهة بالظروف الخدمية المتوفرة في هاتين القضيتين، فإنّ المستخدم الأخير هو وحده يعتبر الناقض الصريح، والسبب هو أن العامل الرابط لا يقوم في الظاهر بأي عمل من شأنه إحداث تعديل وتغيير مباشر في المواد الحصرية، وحسب قول مجموعة من المحللين، فإنّهم (الأطراف الرابطة) لا يقومون بالاستنساخ، والذي يعدّ العنصر الرئيسي المتسبب في انتهاك الملكية الفكرية.

جميع التدابير التي تعتبر في الظاهر انتهاكاً لقانون الملكية الفكرية (إعادة صياغة والتوزيع والنشر والعرض) يقوم بها المستخدم وذلك لطبيعتها التكنولوجية البنيوية، والذي يمكنه الوصول إلى المضمون. والدور الوحيد الذي يلعبه الرابط في هذه العملية تقديم المعلومات الخاصة بتفاصيل هذا الوصول. وحتى لو أرادت المحكمة طرح مسألة الدور المُكلف للعامل الرابط، وتستدل بأنّ هذا العامل يحاول الاعتداء على الحق الحصري وتغييره (والأمر ليس كذلك)، فالادّعاء المطروح يشبه قضية ميراج، لكن قضية لي التي تبدو أكثر إقناعاً، تبرّئ العامل الرابط من أي علاقة حقيقية بالموضوع.

حتى الآن لم تواجه أي محكمة بمسألة النموذج المعلوماتي للرابط، أما المحاكم التي واجهت قضايا من قبيل مسؤولية المستخدم لأنظمة لوحة الإعلانات (BBS) في الحاسوب، فقد حكمت بأنّه مع وجود المستخدمين النهائيين للنظام الذي يتحمّلون مسؤولية التغيير والتعديل المباشر والصريح للمواد الحصرية، فلا يجدر أن تلقى مسؤولية الانتهاك الصريح والمباشر على المستخدم الوسيط في النظام.

إنّ استدلال بعض المحاكم التي أعرضت عن هذا الحكم مثير للتساؤل. والمهم هنا هو أنّه، على عكس القضايا المطروحة هنا، ما لم يكن النظام منتهكاً صريحاً، فيمكن في حالات معينة حفظ ومعالجة المواد الحصرية على حواسيب المستخدم.

ولكن مع ذلك فإن المحاكم التي تعالج مثل هذه الدعاوى، تتجنّب توجيه المسؤولية لمستخدمي النظام فيما يتعلق بمسألة الانتهاك الصريح. وعلى ما يبدو فإنّ تحميل هذه المحاكم العامل الرابط المسؤولية واعتباره المنتهك الصريح والمباشر ليس له ما يبرره.

وعلى هذه المحاكم اللجوء إلى طريقة أخرى لطمأنة المتمتّعين بحقوق الملكية الفكرية برأي آخر أكثر مسؤولية ومنطقية.

مسؤولية الطرف الثالث - الانتهاك الثانوي

على العكس من قانون التسجيل الحصري، لا يحمّل قانون الملكية الفكرية الأفراد صراحة مسؤولية الانتهاك الحاصل من الآخرين. وغياب هذه الصراحة في قوانين الملكية الفكرية لا يحول دون تحميل المسؤولية، فحسب وصف محكمة سكندسركيت (كل من يشجّع عن سابق وعي على انتهاكات الآخرين، كأن يهيّئ لهم مستلزمات تلك الانتهاكات، أو ابداء المساعدة المادية على تحقيقها، يعتبر منتهكاً ثانوياً). والمهم هو أنّه لا يوجد انتهاك ثانوي ما لم يحصل انتهاك حقيقي وصريح من قبل طرف ثالث. مع هذا، إذا واجه الفرد قضية انتهاك حقوق الملكية الفكرية، ولم يشترك بعد في الخطوات التي تستلزم إدّعاء الانتهاك الصريح، فيكون هذا الانتهاك الصريح أفضل وسيلة لإقرار المسؤولية. هناك نوعان من الانتهاك الثانوي في المحاكم، الأفراد الذين يؤمّنون المال لعملية الانتهاك، وأولئك الذين يشاركون في هذا العمل ويؤمّنون له الغطاء.

 

التأمين المالي لعملية انتهاك حقوق الملكية الفكرية

نوع آخر من الانتهاكات ألا وهو «التأمين المالي».[5] لكي تحظى عملية التأمين المالي للانتهاكات بالغطاء القانوني وتكون منطلق لإقامة دعوى قضائية، يجب على المدّعي إثبات أنّ المدّعى عليه قام عن سابق وعي بتوفير سبب أو أكثر من أسباب الانتهاك للحقوق الحصرية للمتمتّع بحقوق الملكية الفكرية، وأنّ هذه الأسباب لا تحمل غطاء آخر غير الانتهاك القانوني والصريح. وإذا ثبت ذلك، فإنّه بغضّ النظر عن مدى إحاطة المدّعىعليه بموضوع الانتهاك الصريح أو الربح الاقتصادي الحاصل من هذا العمل، يعتبر الطرف المؤمّن للأموال مسؤولاً.

في قضية «شركة سوني أمريكا وشركة يونيفرسال سيتي ستوديوز» وهي من القضايا المهمة والبارزة، أدّعى أصحاب حقوق الملكية الفكرية للبرامج التلفزيونية بأنّ عملية بيع أجهزة التسجيل الفيديوية أتاحت ظروفاً للاستفادة غير القانونية للمستهلكين والاستنساخ غير المجاز من البرامج التلفزية، وكانت حجّتهم في ذلك هي أنّ المنتجين لتلك الأجهزة يعتبرون منتهكين ثانويين وذلك بسبب انتاجهم وتسويقهم لهذه الأجهزة.

ومن جهتها قامت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بإجراء تجربة الحقوق الحصرية لتسجيل الاختراعات لإثبات الاستخدام الحقيقي والمجاز لتلك الأجهزة، وقد أصدرتها قرارها الخاص بالموضوع وهو أنّ الأجهزة المذكورة لها استخدامات حقيقية وقانونية، وبذلك لا يمكن اعتبار المدّعى عليهم منتهكين ثانويين.

 

الانتهاك المشترك

نوع آخر من الانتهاكات وهو ما يعرف بـ«الانتهاك المشترك»،[6] ولكي يكون هذا الموضوع منطلقاً لدعوى قانونية، يجب على المدّعي إثبات أنّ المدّعى عليه كان على علم بانتهاك صريح آخر، وقد


شجّع بعمله على هذا الانتهاك، وساهم بتوفير مستلزماته، وأمّنه مالياً. بالنسبة لقضية «شركة سكوين  جيمز- كولومبيا ميوزيك في مقابل شركة مارك في ركوردز» قام الطرف المنتهك بنقض الحقوق الحصرية للمدّعي في تأليف الألحان، وقام باستنساخها وإعادة صياغتها من خلال توزيعه لألبوم غير مرخّص. بالإضافة إلى الشركة الموزّعة للألبوم، رفع المدّعي كذلك دعوى ضدّ الوكالة الدعائية بسبب استغلالها للدعايات لتصريف الألبومات غير المرخصة، والإذاعة التي قامت بقضايا الدعاية وذلك لبثّها إعلانات تجارية حول الموضوع، وشركة التعبئة بسبب نقلها لألبومات غير مرخّصة. وقد أعلنت المحكمة عن قرارها بتجريم الجهات المذكورة في حال علمها المسبق بأنّ هذه الألبومات غير مرخّصة، واعتبارها(هذه الجهات) مسؤولة عن الانتهاك الثانوي.

 

العامل الرابط كمنتهك ثانوي

إذا سلّمنا في الظروف الحالية أنّ نشاط المستهلكين يعتبر انتهاكاً صريحاً، فهل يمكن القول أنّ التدابير التي يتّخذها العامل الرابط نوعمّا تهيّئ للعناصر اللازمة لمثل هذه الانتهاكات الثانوية؟

جواباً على ذلك يجب القول بأنّه أحياناً هناك احتمال لمثل هذا الأمر. قد يتبادر إلى الذهن هذا التساؤل وهو أي نوع من الوصلات نحن بصددها. على الأرجح، كلما أقدم العامل الرابط على إيجاد وصلات عن بعد بين المستهلك والمادة الحصرية الموجودة على صفحة الشبكة، يمكن القول في هذه الحالة بأنّ المشاركة المادية[7] أو الحضورية للعامل الرابط هنا ليس أكبر من الكاتب الذي يعدّ مقالاته بالاستناد إلى المواد التي يعرضها الآخرون، وبهذا النحو يضيف مدخلاً إلى فهرس المآخذ أو إدراجه في الهوامش. ويبدو أنّ رأي المحاكم بشأن التزام المستخدم الخدمي إزاء الانتهاكات للمستهلكين هو أنّ مجرّد تهيئة الإمكانات التي تتيح الانتهاكات، لا تعني «المشاركة الرئيسية» التي تستلزم الحماية القانونية ضد انتهاكات الملكية الفكرية. ويبدو هنا أنّ العامل الرابط لا يضطلع بدور مهم.

وتزداد الشروط تعقيداً مع المواقع النطاقية مثل توتال نيوز، ففي هذا الموقع فالوصلة الترغيبية تنتهي إلى ظهور صفحة مركبة على مرقاب المستخدم، حيث تكون المواد الحصرية الأجزاء المكونة لها. وفي حالة كان تصفح المستخدم ينمّ عن انتهاك للملكية الفكرية، يكون العامل الرابط هنا والمسؤول عن الموقع النطاقي متّهم بالانتهاك المشترك وتأمين الغطاء المالي للانتهاك. والاحتمال الأرجح هو أنّ إيجاد هذا النوع من الوصلات يعدّ مشاركة حقيقية ولازمة للانتهاك الصريح للمستخدم الأخير بقصد المشاركة. بالإضافة إلى ذلك، ولما كان هذا النوع من الوصلات شبيه بوسيلة انتهاك بيد المستخدم، يحتمل أن يكون أيضاً كتأمين مالي لعملية انتهاك الملكية الفكرية. وبسبب كون هدف الوصلات غير المجازة في هذا الأمثلة القيام بدور وسيلة الانتهاك، فإنّ العامل الرابط لا يستطيع في أيّ منها الدفاع عن مدّعا التأمين المالي لحماية الانتهاك بحجّة أنّ الوصلة المعنية لها مستخدم حقيقي غير مخالف.


في كتابه النفيس القانون في عالم الديجيتال، يقول أتان كاتش: عالم الديجيتال عبارة عن نصّ هائل وجديد تظهر فيها الوصلات كفرص للارتباط ووسيلة حديثة للإبداع، بيئة تساعدنا على التأمل في آرائنا حول إبداعاتنا، ووصفنا لها، وكذلك تفكيرنا في تطويرها. ربما من الأفضل على رأي البعض بدلا من التركيز على الملكية الفكرية المنظمة، أن نتوجّه باهتمامنا بشكل عام إلى مبدأ طبيعة الاستفادة من الآثار ومواهب المصنِّف في مراقبة هذه الاستفادة. على سبيل المثال، هناك تقنية تتيح لصاحب الموقع الدخول فيه دون الحاجة إلى الوسائل القانونية، ومنع الارتباط غير المرخّص. نستطيع من خلال الاستعانة بالتكنولوجيا المعقدة، والمتابعة الدقيقة والتركيز على الاستفادة العامة للمواد الحصرية للمؤلفين، أن نقدّم حماية مؤثّرة لآثارهم. ولكن لما كانت مثل هذه الخطط الموجبة للنظم يمكن أن تكون لها عواقب غير محمودة لتسبّبها في تهديد الحريات الأساسية، فضلاً عن كون هذا الهاجس يعدّ بالتالي نوع من قصر النظر.

وعلى أيّ حال، فإنّ بقاء النشاطات الرئيسية مثل إيجاد الوصلات في هالة من الإبهام القانوني،إن بسبب إصلاح قوانين الملكية الفكرية، أو عن طريق آخر أكثر إبداعاً، أمر في غاية الصعوبة، لكن كما أسلفنا في هذه المقالة، فإنّ إطار الملكية الفكرية يسعى في أفضل الأحوال إلى تهيئة الوسائل التحليلية اللازمة للاهتمام بهذا الموضوع.

 

الهوامش:



1.‏ ترجمة قسم من المقالة التالية:

»Copyright on the www; linking and liability« Edward A. Cavazos and coe F. Miles, The Richmond Journal of law and Technology, Vol. IV. Issue 2, Winter 1997.

 

2. The Dillbert Hack Page.

3. Direct infringer

4. Contributory infringer

5. Means to infringe

6. Participatory infringement

7. Materially contributes