كلمة العدد

اتّخذت عملية الدفاع عن حقوق الملكية الفكرية للمصنّفين والمفكّرين في العقود الأخيرة إطاراً تنظيمياً موسّعاً كانت من أهمّ سماته ظهور الحركات المهنية المختلفة التي أخذت على عاتقها مهمّة إحقاق حقوق مختلف الطبقات العمالية والزراعية والصناعية وحتى النسوية، وقد امتدّ نطاق هذه الحركة الواسعة لتضمّ بين جناحيها الكتّاب والمخترعين ومبتكري المصنّفات الفنية، طبعاً مع بعض الفوارق التي ميّزت المطاليب الحقّة للشريحة الأخيرة عن بقية الشرائح الأخرى في عدّة أبعاد نظير حجم تأثيرها والآليات الداخلية، مع توحّدها جميعاً على المطالبة المشروعة بحقوقها ضمن التشكّلات والتجمّعات التي يقودها ويوجّهها أفراد من داخل النسيج المهني. لهذا، تعدّ مسيرة هذه الحركات الحقّة مسيرة طبيعية، فضلاً عن بعض المكتسبات المعقولة التي نالتها في الميادين التشريعية، والظفر بالمكانة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية، والأهم من كل هذا تبوّء المقعد الثقافي اللائق بها.

وعلى الرغم من أنّ هذه المسيرة المشروعة لأصحاب الفكر والفن والمواهب قد أحرزت في العقود الأخيرة تقدّماً يعادل الجهود التي بذلتها على امتداد تاريخها، إلاّ أنّها مع ذلك لم تستوف بعد كامل حقوقها إذا أخذنا بنظر الاعتبار خدماتها الجليلة للثقافة والحضارة الإنسانية، فالحيف الذي عانى منه العاملين في مجال الثقافة والمواهب لا يقارن بمظالم الشرائح الأخرى، وهو ما يفسّر الفجوة الكبيرة التي تفصل مستوى المعيشة المتقدّم لطبقة المسؤولين السياسيين والتجار عنه لدى الشرائح الثقافية، حيث كانت هذه المفارقة تؤرّق المحلّلين على طول الخط، مفارقة تصوّر في جانب منها الخدمات الجليلة لأصحاب الفكر والقلم، وفي الجانب الآخر الاستغلال وتضييع الحقوق الذي مورس بحقّهم.

أمّا الحديث عن المعوقات التي تقف بوجه المسيرة القانونية للشريحة الفكرية والفنية فهو حديث ذو شجون يطال السياسيين الدخلاء على الثقافة وتجار الثقافة من الباحثين في المؤسسات الثقافية، وهي (أي المعوقات) تعطي تعليلاً وافياً لظواهر التأخّر التنموي وهجرة الأدمغة، وفي هذا السياق، تكشف التحليلات الواقعية دور المتطفّلين المفتقدين للحسّ الثقافي والمتظاهرين بالعالمية في عملية التقهقهر الثقافي والأزمات الناجمة عنها.

لحسن الحظ، وبعيداً عن أجواء اليأس والإحباط، أدرك بعض المدراء الكبار والمسؤولين في المواقع العليا أهمية قانون الملكية الفكرية وأبعاده، وهم يسعون إلى استدراك الجوانب السلبية الناجمة عن عدم رعاية هذا القانون، وتهيئة المناخ الملائم وحثّ الخطى نحو تطبيقه، ولهذا السبب بذلت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في إيران في الأعوام الماضية نشاطات أكثر جدّية وشمولية.

وهنا يجب ملاحظة أنّ الوتيرة المتصاعدة للعملية التكنولوجية في مجالات البحوث والطبع والنشر والمعلوماتية تشهد تسارعاً يستدعي منّا وضع حلول عاجلة وفورية.

بالنسبة للإيرانيين، فإنّهم كانوا بصدد تسوية قضية الملكية الفكرية للمصنّفات المكتوبة والآثار الفنية، حتى جدّت مسألة أخرى ألا وهي أشرطة الصوت والفيديو والأفلام السينمائية، وما أن همّوا بدراسة هذه المقولات حتى واجهوا مسألة حقوق البرامج الحاسوبية، ثم تلتها حقوق الانترنيت والفضائيات والحقوق المتعلقة بالنشر الألكتروني للكتب وسائر المصنّفات الثقافية والتكنولوجيا الرقمية. تتمّ مناقشة هذه القضايا وغيرها في المحافل الثقافية، وهي تتطلّب إعداد الخطط اللازمة لتشريع القوانين والاستماع إلى الإرشادات العامة للمجتمع وتوجيهاته، ولا يتيسّر ذلك إلاّ من خلال السعي لخلق مناخ فكري مناسب وتنفيذ الأبحاث البنيوية، وهي مهمّة تصدّينا لها في هذا العدد الخاص والعددين السابقين من خلال طرح البحوث النظرية التي تفتح آفاقاً رحبة لتناول قضية الملكية الفكرية من مختلف أطرافها وأبعادها.

من هذا المنطلق، فإنّ هيئة التحرير إذ تقدّم للساعين لإحقاق الحقوق الفكرية
عدداً خاصاً آخر، لترجو أن يأتي اليوم الذي ينعم به المفكرون والفنانون بكامل
حقوقهم المشروعة.

هيئة التحرير