كلمة العدد

عندما تقرّر تخصيص أحد أعداد المجلة للحديث عن موضوع حقوق الطبع والنشر، لم يخطر ببالنا أن تصلنا هذه المجموعة الكبيرة من الموضوعات والآراء القيّمة والمقالات العميقة والرصينة، وكلما تعمّقنا في الموضوع، رأينا ترحيباً أكبر وأفكاراً أحدث وحلولاً أنسب.

وعلى الرغم من الجفاء الذي تلقاه الحقوق المادية والمعنوية لأصحاب القلم والفكر والمواهب الخلاّقة من قبل المجتمع في الوقت الراهن، إلا أنّ اهتمام الأوساط الفكرية لتناول مسألة حقوق النشر والملكية الفكرية يزداد. وبسبب هذه الأجواء الراكدة، ارتأت هيئة التحرير أن تدافع عن حياض العلم، بتخصيص عدد آخر لهذا الموضوع.

هذا ما أفاضت به جعبتنا لحدّ الآن على الأقل، ويبقى أن تتحمّل سائر الدوريّات والصحف والوسائل السمعية البصرية مسؤوليتها في معالجة مختلف زوايا الموضوع، واستشراف آفاق جديدة، والبحث عن حلول مبتكرة.

هذا، وتُجمع الإرادة الوطنية على رفع العقبات القانونية والإجرائية التي تقف بوجه الملكية الفكرية في إيران بأسرع وقت، وأن يحظى المؤلّفون والمترجمون وبقية مصنّفي الآثار الثقافية بالمكانة التي تليق بهم، من خلال التمتّع بحقوقهم، وإنصافهم من الحيف والظلم الذي لحق بهم.

وممّا يبعث على الأسف، أنّ تُهمل حقوق هذه الشريحة الثقافية والفكرية في النظام الإسلامي الإيراني حامل لواء العلم والعدل.

ويمكن هنا لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي أن تجسّد اهتمامها الجدّي في هذا الشأن وتكون الرائدة في وضع الخطط المناسبة، على سبيل المثال، تخصيص أسبوع أو يوم لإحياء حقوق المؤلف؛ نشر الدراسات القانونية الخاصّة بالموضوع؛ دعم الدراسات الميدانية ذات الصلة ووضع إنجاز البحوث التي تتناول هذه المسألة على رأس أولويّاتها لمدة عام على الأقل.

كما يمكن لوزارة العلوم أن تساهم في هذا المجال من خلال تخصيص عدّة محاضرات للطلبة لشرح الأبعاد المختلفة للحقوق المادية والمعنوية، وكذلك تشجيعها للرسائل الجامعية التي تتطرق لهذا الموضوع، كما يمكن شرح هذه الحقوق للجمهور عن طريق وسائل الإعلام المتاحة، ليقف الجميع على الحقوق الخاصة بمصنّفي الآثار الثقافية، وأخيراً عرض الأفلام الوثائقية التي تطرح الأفكار الخاصة بالملكية الفكرية.

أمّا رجال الدين والمراجع الأجلاء، فيتحمّلون القسط الأخطر والأكثر حسّاسية من المسؤولية، بالنظر إلى كون حقوق الملكية الفكرية مسألة يومية تواجه مختلف شرائح المجتمع من كتّاب ومترجمين ومنقّحين وناشرين ومراكز الدراسات ودور النشر والعديد من الشرائح التي تحتاج إلى حماية قانونية. من هنا كان لزاماً أن تشكّل مكاتب المراجع العظام فرق عمل تضطلع بمهمّة التحقيق في المسألة ورفع تقرير إلى المراجع بما تتوصّل إليه من نتائج. ونرى من المناسب طرح هذه المسألة في حلقات الدروس للمستويات العليا من طلبة العلوم الدينية.

طبعاً، لا يزعم أحد بأنّه لم يتّخذ أي إجراء في هذا الشأن، بل على العكس، يرى الجميع بأنّ جهوداً متزايدة شتّى تبذل في هذا المجال، حيث عقدت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في السنوات الأخيرة عدّة ندوات، ودعمت عدد من الكتب الصادرة حول الموضوع، لكن لا تزال هذه الجهود غير كافية، ولا ترقى إلى مستوى الطموح.

إنّ الأوضاع الراهنة تتطلّب منّا إتّخاذ خطوات عملية في جوانب عدّة على سبيل المثال، تشريع القوانين ومخاطبة الجمهور وتفعيل السلطة التنفيذية، والوصول إلى هذه النقاط الثلاث يستلزم أن تكون البحوث على مستوى من النضوج النظري والعلمي. ولا ننسى هنا بأنّ الفقه والحقوق بيدهما مفتاح الحل، طبعاً بالاستعانة بالدراسات الميدانية والتاريخية والسوسيولوجية للعلوم الأخرى.

ويُنتظر من المؤسسات التشريعية سدّ الثغرات القانونية في هذا المبحث، وهو أمر ممكن إذا ما تحلّى القائمون على المؤسسات القضائية بإرادة التغيير. من ناحية أخرى، يتعيّن على الأجهزة المختصّة التي تتابع مخالفات الناشرين والمؤلفين وغيرهم توسيع دائرة عملهم، والبحث عن حلول مناسبة وفورية، فالوضع الحالي للمحاكم القضائية لا يشجّع الباحثين والكتّاب على اللجوء إليها وهدر وقتهم الثمين، ولهذا السبب نرى معدّل المخالفات في موضوع الملكية الفكرية في إيران كبير جداً مقارنة بالقضايا الأخرى.

أما الجانب الآخر للمسألة يتمثّل في التعاون الدولي، فالمصنّفات الفكرية، بل لنقل الثقافة بصورة عامة، قضية عالمية لا تفصلها حدود، ونحن نرى أنّ كتب المؤلفين الإيرانيين تنشر أو تباع في الخارج بدون تراخيص، لذا من الضروري رفع القيود الدولية الموجودة كيلا تهدر حقوق المؤلفين الإيرانيين في أقطار العالم الأخرى، كما تهدر حقوق المؤلفين العالميين في إيران.

وأخيراً نأمل في أن تتهيّأ ظروف أفضل لتطوير المسيرة الثقافية وارتقائها، من خلال الإقرار بالحماية القانونية للمصنّفين، وتأمينهم مالياً وثقافياً.

هيئة التحرير