تمهيد


الملكية الفكرية ، أو بعبارة أدق، حقوق المبتكرين للمصنّفات الثقافية والفنية هي من القضايا المهمة في مجال صناعة الطباعة والنشر، وأيضاً في التجارة وعلم الاجتماع. على الرغم من أن هذه المسألة تشكل هاجساً عالمياً لمعظم شرائح المجتمع، المنتجة والمستهلكة على السواء، لكنّها قلما نالت الاهتمام الذي تستحق من قبل الفقهاء، خاصة فقهاء الشيعة، ولم تحظ بدراسات مبكرة وشاملة في إيران.

لم نعثر على جذور لهذا المبحث في المصادر الفقهية، أو فتاوى الفقهاء، لكن عرف الأدب الإسلامي آثاراً ومؤلفات عديدة صنّفت ضمن السرقات الأدبية والشعرية، نذكر منها: كتاب المنصف في نقد الشعر وبيان سرقات المتنبي ومشكل شعره للحسن بن علي بن وكيع التنيسي(المتوفى عام 393هـ) حيث ينتقد فيه السرقات الشعرية للمتنبي، شاعر العرب الأكبر، ويحمل عليه اقتباساته غير المجازة.


إنّ هذه المؤلفات تبيّن بوضوح عدم شرعية حالات الاقتباس النثرية والشعرية في تاريخ الأدب الإسلامي، التي كانت تتم بدون إجازة أصحابها في ذلك الوقت، والتي تعددت مواردها، وهي مستمرة حتى عصرنا الراهن على شكل مقالات وكتب تبحث هذه المقولة. وتُجمع هذه الكتابات على أن هناك اتفاق بين المسلمين على عدم شرعية هذا المسلك.


في أوائل عقد الستينات، نشرت بعض الصحف الإيرانية آراء ومقالات في هذا الصدد، مهّدت الطريق للمؤسسات التشريعية والتنفيذية للمباشرة بتقنين حقوق المؤلفين والمصنفين، فصدر في عام 1969 قانون (حماية المؤلفين والمصنفين والفنانين)، حيث تمت المصادقة عليه من قبل المجلس الوطني آنذاك، مما فتح المجال أكثر فأكثر أمام الحقوقيين والمراكز البحثية والتعليم العالي لمناقشة هذا الموضوع.


ولكن، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، انكفأت المداولات في هذا الشأن، ولم تصدر عن المؤسسات الثقافية الرسمية والفقهاء أيضاً أي تحليلات تذكر. واستمر الأمر على هذا المنوال، حتى بدأت المفاوضات حول انضمام إيران إلى منظمة الجات(الاتفاقيات العامة للتعرفات الجمركية والتجارية) عام 1993، حيث أنيط بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في هذا البلد مهمة دراسة الموضوع. وكانت نتيجة هذه الدراسة رفع تقرير بعنوان (تقييم نتائج انضمام إيران إلى منظمة التجارة العالمية في ميدان الملكية الفكرية).


يعزى سبب صمت بعض المحافل، وعدم تحمس بعض الشخصيات والمؤسسات لهذه الفكرة إلى 3 عوامل هي:


1.‏ الافتقار إلى الدراسات الشاملة والمؤثرة: طبيعة السلوك الإداري الذي لا يحبذ أسلوب إجراء الدراسات، وعزوف المدراء عن الاهتمام الجدي المؤسسي لتشخيص نقاط الضعف ونقدها. ومن ناحية أخرى، غياب الإحصاءات الدقيقة والمنتظمة حول التبعات الاقتصادية الناجمة عن عدم رعاية الملكية الفكرية، وكذلك ارتباط فكرة الركود بمسألة الملكية الفكرية، بالإضافة إلى الخطوط الحمراء التي ضيّقت المجال على الخبراء في هذا المجال.


يمكن الجزم بأنه لم تتم لحد الآن أي دراسة ميدانية وإحصائية شاملة حول موضوع الملكية الفكرية في إيران، في حين تشكّل هذه المسألة من منظار القانون، إحدى العناصر الإساسية للثقافة.


2.‏ العقبات الإجرائية والقانونية: إن الالتحاق بالمنظمات والمعاهدات الدولية في مجال الملكية الفكرية، يتطلب نفقات إدارية ومالية وإنسانية، مما سيعني حرمان شريحة معينة من الاستخدام الرخيص أو المجاني من الإنجازات العلمية الغربية، وهذا الحرمان - بحسب هذه الشريحة- سيفضي إلى تخلّف إيران عن ركب التقدم الاقتصادي والعلمي.


في مقابل هؤلاء، هنالك فريق يؤمن بأن هذه الشريحة كان قد دأبت على الاستغلال. وهو يؤمن بأنه ليس في التحاق إيران بالمسيرة العالمية للملكية الفكرية أي حرمان، بل بالعكس، فهو سيجذب مصنّفي الآثار الثقافية والفنية إلى إيران، وينتشل الباحثين الإيرانيين من التراجع الثقافي والتأخر العلمي.


كما أن بعض العقبات تتعلق بالجهاز القضائي والتشريعي في إيران، الذي لم يخطو خطوات جادة في هذا المجال.


3.‏ المخالفات الشرعية: لم يتمكن فقهاء الشيعة بعد من هضم مسألة حقوق الملكية الفكرية، وهو عائد إلى النظام الاجتهادي المذهبي الخاص بهم. ورغم أن العقد الأخير قد شهد طرح آراء فقهية أوسع في هذا المجال، إلا أنها تفتقر إلى الرؤية التحليلية.


إن عدم وضوح الرؤية بالنسبة لهذا الموضوع، وافتقاد الدراسات الدقيقة في المحافل الفقهية، كانت له نتائج قلما أخذت المصالح الاجتماعية بعين الاعتبار.


أما في الدول العربية، فقد حظي هذا الموضوع بنصيب أوفر من المناقشة والبحث، كما أشبع إلى حدّ ما بالدراسات الفقهية، مما يجعل النصوص العربية أدلة مفيدة للباحث الإيراني.


على أي حال، فإن الملكية الفكرية للمؤلف والمخترع، وبشكل عام للمصنّفين، هي من المسائل الحديثة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة والتقدم العلمي، وليس أقل من أن يفضي احترام حقوق المؤلفين والباحثين والدفاع عنها، إلى تشجيعهم على مواصلة العطاء والنشاطات الثقافية، أما نتائج عدم صيانة حقوقهم فستكون عزلهم أو هروبهم، وبالتالي إخلاء البلاد من العقول والنخبة.


لكل ما ذكر، فإن الدول الغربية ومنذ القرن الـ19 شرّعت القوانين والمعاهدات التي تصب في خانة الدفاع عن حقوق المؤلفين، وبهذا فتحت الطريق أمام الرقي العلمي والفني والثقافي. توجد في الغرب في العصر الحالي عدة جهات تأخذ على عاتقها المسائل القضائية والتعليمية والبحثية لموضوع الملكية الفكرية، ومن جملتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية(WIPO).


لذا، وابتداءً من هذا العدد ستصب مجلة (الكتب الإسلامية) اهتمامها على نشر المقالات والتقارير، آملين من أصحاب الفكر التواصل معنا. حيث ستقوم بإعداد التقارير عن الشخصيات والدوريات والكتب العلمية، والتي تحمل طابعاً معلوماتياً، وذات توجه عالمي.


كما سنحاول في كل عدد التعريف بعدد من المصادر المرجعية بشكل سريع وموجز.


ومقالات هذا العدد تتناول موضوع الملكية الفكرية، حيث نرجو من المفكرين وأهل الرأي المساهمة في إثراء البحث من خلال طرح الآراء النقدية والبرامج بعيدة المدى.


هيئة التحرير


الهوامش:


1. Copy Right
2.‏ نشرت هذا الكتاب دار قتيبة في دمشق، باهتمام محمد رضوان الداية .
3.‏ يشير محمد عثمان شبير إلى بعض هذه الدراسات، راجع: المعاملات المالية المعاصرة، الأردن، دارالنفائس، 1998، خصوصاً ص 57.
4.‏ على سبيل المثال، قامت عدة مجلات بنشر عدد خاص. خصّت مجله عالم الكتب، العدد4 من المجلد الثاني (1982) لموضوع الملكية الفكرية.
5.‏ كما عرفت أوروبا قبل القرن الـ19 أيضاً الملكية الفكرية. وكانت المملكة المتحدة السبّاقة في هذا المجال. يرقى تاريخ المصادقة على هذا القانون في بريطانيا إلى أوائل القرن الـ18 الميلادي. (الملكية الفكرية في الدول الصناعية المتقدمة، ص6).