كم هو عظيم و ساحر التراث الإسلامي
المكتوب في شتى العلوم. لقد قام المسلمون بتأليف آلاف مؤلفة من الكتب والرسائل في
موضوعات العلوم الشرعية بدءاً بعلوم القرآن والحديث، حتى علم البصريات وعلم
الحيوان والطب. ولم يكن هذا التراث القيّم حكراً للمسلمين وحدهم، بل أن التقدم
الحضاري والثقافة الإنسانية أيضاً مدينان لهذه الجهود العلمية. كانت ثلة من المسلمين تتصدى لمهمة البحث
والتأليف، وثلة أخرى لعملية نشره، ولولا جهود المجموعة الثانية، لظل هذا التراث
العظيم حبيس مكتبات المؤلفين وزوايا بيوتهم يطويه النسيان، أو لأصبح عرضة للتلف
والاندثار. وكانت عملية نسخ وإحياء ونشر الآثار تتم عن طريق النسّاخ، وذلك قبل
اختراع الطباعة. إن انعدام وسائل الاتصال، والفقر الشديد في
إمكانات الاستنساخ، ضيّقا من فرص إحياء الكتب، حيث لم يستنسخ منها إلا كمّ محدود. أما في العصر الحاضر، ومع امتلاك البشر
لناصية صناعة الطباعة والنشر من ناحية، وظهور علم إحياء المتون الخطية من ناحية
أخرى، شهد إحياء المخطوطات طفرة نوعية، وتم تنقيح ونشر مئات الكتب. تعدّ عملية إحياء التراث الخطي اليوم مهنة
تجتذب إليها العديد من الباحثين، كما استقطبت اهتمام العديد من مراكز البحوث
والعلوم في العالم، وتدريجياً أصبح هذا الأمر علماً قائماً بذاته، يطلق عليه علم
المخطوطات Codicology. ويعدّ المستشرقون، من أمثال برگشتراسر، أول من وضع
اللبنات الأولى لهذا العلم، وقدّموه في قالب ممارسة علمية. ثم سار على منهجهم باحثون
قديرون مثل صلاح الدين المنجد، يوسف العش، فؤاد
السيد، عبدالسلام هارون، محمد تقي دانش پژوه وعبدالعزيز الطباطبائي وعملوا على
ارتقائه وتكامله. إذا استثنينا بعض الجهود
الشخصية، فقد قامت مؤسسات ناشطة في مجال الفهرسة وإحياء التراث، أهمها معهد الخطوط
العربية التابع لجامعة الدول العربية والذي تأسس عام 1946م، وتتلخص أهدافه في: جمع المخطوطات الأصلية أو
صورها من المكتبات العالمية، الشروع بتحقيقها ونشرها، إعداد فهارس للمخطوطات وفق
ضوابط علمية. هذا، وكان تأسيس مكتب نشر
التراث المكتوب التابع لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي على طريق خدمة هذه
الأهداف. كما استحدث مركز التغطية المعلوماتية للمخطوطات الذي بدأ نشاطه بمعالجة
فهارس المخطوطات الموجودة في العاصمة الإيرانية طهران كمبيوترياً. وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلت في هذا
الميدان، لا يمكننا القول مع ذلك أننا
وصلنا إلى الوضع المنشود. فعملية
إحياء التراث العلمي تشمل أبعاداً شتى، وكل بعد
منها يتطلب دراسة مستفيضة. لحد الآن لم يتم تنظيم المخطوطات والفهارس
الموجودة، إذ
لا نزال نشهد تكرر تنقيح الكتاب
الواحد، في
الوقت الذي توجد فيه أعمال
كثيرة غير
منقحة، كما أن نشاطات وتجارب الباحثين في مجال المخطوطات لم يتم
تسجيلها، حيث
لا توجد أسس ومناهج مدونة في هذا المجال، وأخيراً غياب التنسيق والتعاون بين مراكز
إحياء التراث في العالم. على أي حال، تعتبر
المخطوطات الإسلامية شاهداً حياً وناطقاً على ديناميكية ثقافة المسلمين وحضارتهم،
كما تمثل السجل المشرق لجهود ونشاطات المفكرين والكتّاب المسلمين في العصور
السالفة. وينبغي ألا نضع هذا التراث لقمة سائغة في فم النسيان، بل علينا المحافظة
عليه بكل ما أوتينا من قوة، واستخدام التقنية الحديثة في تغطيته معلوماتياً. لقد أخذت الحركة العلمية
لإحياء التراث بالانتشار بتعجيل متسارع، حيث نرى في كل بلد إسلامي شخصيات عديدة
ومراكز شتى انبرت لحمل هذا الفن على كاهلها، ودوّنت قواعده وأصوله ومناهجه. في عامي 1931- 1932 ألقى
المستشرق برگشتراسر عدداً من المحاضرات في
جامعة القاهرة، ونشرت في كتاب يحمل عنوان «أصول نقد النصوص». بعد ذلك، صدرت
كتب مهمة في هذا المجال، من جملتها: قواعد تحقيق المخطوطات لصلاح الدين المنجد،
تحقيق النصوص ونشرها لعبدالسلام هارون، تاريخ معالجة المخطوطات والتحقيق النقدي
لها لنجيب مايل الهروي. أما حقل فهرسة المخطوطات،
فقد شهد هو الآخر نشاطاً محموماً ومكثفاً وشاملاً، حتى أن بعض المكتبات مثل مكتبة
الإسكوريال والمكتبة الوطنية في باريس والمكتبة الوطنية في برلين قد أقدمت على
إعداد ونشر فهارس المخطوطات العربية والإسلامية. إن قصة نقل المخطوطات
الإسلامية وسرقتها قصة مؤلمة للغاية، لم يخفف من وطأتها إلا جهود المستشرقين من
أمثال ريشر،[1] ريتر،[2] آربري[3] وفايد[4] في نشرها. إنّ أهمية موضوع التغطية
المعلوماتية للمخطوطات، وتنقيحها في الغرب، حمل البعض على إصدار أول دورية متخصصة
في هذا المجال باسم مخطوطات الشرق
الأوسط[5]
برئاسة المستشرق الهولندي ويتكام[6] وذلك
في عام 1987. وقبل هذا التاريخ، وبالتحديد في عام 1955، كانت تصدر في الشرق مجلة
معهد المخطوطات العربية التي كانت اهتماماتها تشمل المباحث الخاصة بالمخطوطات. أما أهم الدوريّات التي
صدرت في هذا المجال: عالم المخطوطات والنوادر،[7]
المورد،[8]
التراث،[9]
الذخائر،[10]
تراثنا،[11] آفاق
الثقافة والتراث[12] وأخيراً
مرآة التراث.[13] هذا،
وقد عقدت عدّة مؤتمرات حول هذا الموضوع من بينها مؤتمر «المخطوط العربي وعلم
المخطوطات» في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمدالخامس في الرباط في
الفترة من 27- 29 فبراير عام 1992. كما عقدت مؤسسة فرقان في لندن مؤتمراً بعنوان
«دراسة المخطوطات الإسلامية»[14]
وذلك في يومي 4 و5 ديسمبر عام 1993. وبالاستناد إلى كل ما تقدم، ارتأينا أن نخصّص هذا العدد من المجلة
للخوض في هذا الموضوع(علم المخطوطات)، آملين بهذا الجهد المتواضع المساهمة في
تطوير وازدهار هذا العلم. أحمد
مسجدجامعي |