المكتبة الشيعية في مدينة كولن


فاطمة رحمتي


مدخل


يعتبر تأسيس المكتبة الاختصاصية الشيعية في ألمانيا عام 1965 بحق خطوة تاريخية، وجاء ذلك نتيجة تظافر جهود كل من مؤسسة الاستشراق في جامعة كولن والبروفسور عبدالجواد فلاطوري، ويعدّ هذا العمل علامة مضيئة في السجل العلمي والثقافي لهذا الأخير، ومن مفاخر قسم الاستشراق في جامعة كولن أيضاً. قد يبدو هذا الحديث نوع من المبالغة بالنسبة للبعض من الذين لم يتعرّفوا على المكتبة المذكورة عن كثب، وتأثيراتها وإسهاماتها المباشرة وغير المباشرة، أو لم يطّلعوا على تقاريرها، ولكنّهم إذا قرأوا تصريحات بعض الشخصيات من أمثال أولريخ ماتس(Ulrich Matz) رئيس جامعة كولن، الذي له اطلاع كاف بحقيقة الأمر، سيتبين لهم مدى أهمية هذا الصرح الحضاري. يقول السيد ماتس:


«بذل البروفسور فلاطوري جهوداً جبارة في توجيه اهتمام وبحوث المستشرقين نحو المذهب الشيعي، وكانت اللبنة الأولى في هذه الجهود، افتتاح المكتبة الشيعية في مدينة كولن الألمانية، وذلك أثناء استضافة جامعتها لمؤتمر الاستشراق، وهي تعتبر واحدة من أهم المكتبات الشيعية خارج إيران. وقد انحسر نشاطها بالرحيل المفاجئ للسيد فلاطوري، ومن الضروري أن يتم استكمال مرافق هذه المكتبة، وإعادتها إلى نشاطها السابق، حتى ترقى بخدماتها العلمية والثقافية للمهتمين والباحثين في أرجاء العالم إلى أعلى المستويات»


وعن هذه المكتبة يقول الدكتور مهدي محقق، أحد الباحثين المرموقين:


«في عام 1977، سافرت إلى العاصمة الألمانية بون للمشاركة في مؤتمر تاريخ العلوم والفلسفة في القرون الوسطى، ومنها توجهت إلى كولن تلبية لدعوة السيد فلاطوري، حيث قام بإطلاعي على جهوده في نشر الإسلام، والتعريف بالتراث الشيعي، واصطحبني إلى مركز الدراسات الشيعية، الذي أسسه بنفسه، والذي يضم أمهات المصادر الفقهية والأصولية والفلسفية والكلامية الشيعية، ولولا جهوده لما أمكن من نقل هذه المصادر إلى هناك بهذه السهولة» .


الحاجة إلى هذه المكتبة في الماضي


يمكن تلخيص الضرورات والظروف التي أدت إلى تأسيس هذه المكتبة الشيعية الاختصاصية في ألمانيا في المحاور التالية:


1. وفرة المكتبات العامة والمتخصصة في ألمانيا، حيث تصل الإحصاءات بشأنها إلى 7 ملايين مكتبة . يرقى تأسيس المكتبة الوطنية في ألمانيا إلى العام 1848م، لذا، فهي ذات تاريخ عريق، وتضم عدداً ضخماً من الكتب، لا سيما الشرقية منها.


ويشار إلى أنه قد تمّ دمج المكتبة الوطنية في فرانكفورت بألمانيا الغربية مع المكتبة الوطنية في لايبزگ في ألمانيا الشرقية عام 1990، لينتج عن هذا الدمج صرح عظيم يضم ملايين الكتب والمجلات والرسائل الجامعية. وفي خضم هذا الحضور الوفير للمكتبات في البلاد، غابت المكتبات الشيعية المتخصصة عن هذا الحشد.


2. تعتبر ألمانيا قطباً ثقافياً عالمياً عملاقاً، حيث تتمتع بمعدلات ثقافية متقدمة، فمثلاً تستضيف مدينة فرانكفورت سنوياً أضخم تظاهرة ثقافية عالمية ألا وهي معرض الكتاب. في جناح البحوث الخاص بالأديان، تبرز الحاجة إلى مركز لتقديم الخدمات المعلوماتية والثقافية، وهو ما يمكن أن تضطلع به مكتبة شيعية متخصصة.


3. ريادة مسيرة المذهب العلمي الاستشراقي في ألمانيا على بقية الدول الغربية. فهذا البلد، ومن منطلق عدم تغليب المنطق الاستعماري على النشاط الثقافي الاستشراقي، اندفعت مسيرته بخطى متسارعة مهتدية بمبادئ خدمة الثقافة والاتجاه العلمي.


فقد قدّم المستشرقون الألمان بشكل رئيسي، دراسات راقية عن الإسلام والشيعة تحدوهم الرغبة العلمية والاخلاص في العمل، وفي هذا الصدد، كان يمكن للمكتبة الشيعية أن تدعم جهودهم في هذا المضمار إلى حد بعيد.


هيأ الحضور القوي للمسلمين السنة(عدّة ملايين) في هذا البلد ظروفاً مناسبة للمستشرقين الألمان للوصول إلى المصادر السنية، ولكن، وعلى الرغم من الثقل الذي يشكله الشيعة باعتبارهم إحدى الفرق الإسلامية المهمة، وتواجد مايربو على 200ألف شيعي في ألمانيا، إلا أن الحصول على المصادر الشيعية أمر صعب، مما أدى بالنتيجة إلى ضحالة معلوماتية لدى العلماء الألمان عن المذهب الشيعي، وهو ما تشهد عليه مؤلفاتهم .


إن ضعف المعلومات الشيعية عند الألمان لم يكن خللاً ثقافياً فحسب، بل إن آثاره قد انسحبت على الاستراتيجيات السياسية بالنظر من انتشار المذهب الشيعي في رقعة من العالم الإسلامي، خصوصاً دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وجدير بالذكر أن اولريش ماتس، رئيس جامعة كولن، وزميل الأستاذ فلاطوري، كان قد لفت الانتباه إلى هذه النقطة بقوله: «تركزت جهود السيد فلاطوري العلمية على المذهب الشيعي، الذي عانى من جفاء في السابق. »


5. من ناحية أخرى، يشكل التراث الشيعي قسماً مهماً من الثقافة والتاريخ الإسلامي، فالشيعة يشكلون نسباً سكانية لا بأس بها في العديد من أقطار العالم الإسلامي، حيث يتوزعون في جميع أرجاء العالم، ومن الجملة في تنزانيا وأوغندا وكينيا. يتفرّع الشيعة إلى ثلاثة فروع رئيسية هي: الإمامية والزيدية والإسماعيلية. وتتفرع الإمامية بدورها إلى الإباضية والخوجة والإثني عشرية والنصيرية والعلوية، أما الإسماعيلية فتضم عدة فروع من جملتها الدرزية. كما أن التاريخ قد شهد قيام دولاً شيعية عديدة، من قبيل الدولة الصفوية في إيران، والدولة الفاطمية في مصر، والأدارسة في المغرب، وآل إباض في عُمان. من هنا، يتوجب على المستشرقين تناول المذهب الشيعي والشيعة من جميع الجوانب.


يعدّ جاكوب كريستمان(المتوفى عام 1613م) رائد الدراسات الإسلامية في ألمانيا، في حين أن الاستشراق بصيغته العلمية بدأ في القرن الـ19 مع ويل(المتوفى1889م) أستاذ مادة التاريخ في جامعة هايدلبرغ. واتسعت آفاق هذا النشاط مع تأسيس زاخاو مدرسة الألسن الشرقية عام 1887م في برلين، وكذلك افتتاح مدرسة التاريخ والثقافة الشرقية في هامبورغ عام 1908م.


طبعاً، وحسب تقرير نجيب عقيقي، فإن فرق اللغات الشرقية في مدينة فيرزبرج Wurzburg قد تشكلت في العام 1582م، وفي مدينة لايبزج Leipzig عام 1409م، وفي مدينة توبنجن Tubingen وهوله Houle عام 1477.


في عام 1845 قام فلايشر بتأسيس جمعية المستشرقين الألمان في مدينة هوله ، التي شهدت توسعاً عظيماً منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، وتعكس هذه الأمور مدى اهتمام المثقفين الألمان بالشرق وبالإسلام، حيث يتمتع سجل الاستشراق الألماني بسمعة طيبة، وقد هيأ هذا العمق التاريخي الثقافي المشرق الظروف المناسبة لولادة فكرة تأسيس المكتبة الشيعية في كولن، وبالفعل رأى هذا الصرح النور بفضل تضافر مشاعر التقدير للعلم لدى المسؤولين في مؤسسة الاستشراق في جامعة كولن والهمّة العالية للبروفسور فلاطوري.


أهمية المكتبة وخدماتها


على غرار المكتبات الأخرى، استطاعت هذه المكتبة من الارتقاء بالبحوث العلمية عن طريق تقديم خدمات معلوماتية سريعة وراقية للباحثين، وطرح مئات الدراسات والرسائل الجامعية والمقالات والكتب ومعالجة مباحث جمّة بالاعتماد على المصادر المتاحة فيها. وقد بلغ مستوى الخدمات المعلوماتية في هذه المكتبة درجة متطورة، حيث يصفها البروفسور فيرنر ديم رئيس قسم الاستشراق في جامعة كولن قائلاً:


«هذه المكتبة هي الأكبر من نوعها في الغرب على الإطلاق، وهي تعدّ بحقّ قبلة الباحثين.»


وكذلك، نذكّر بحديث السيد أولريش ماتس (Ulrich matz) رئيس جامعة كولن:


«تعتبر المكتبة الشيعية في كولن أهم مكتبة من هذا النوع خارج إيران.»


لم يكن هذا الصرح مكتبة فحسب، بل مركزاً للدراسات، يغطي بنشاطاته العلوم والعقائد الشيعية كذلك. وخلاصة القول، اتّسمت بحوثه بالرقي والإثارة.


مضافاً إلى تقديم الخدمات المكتبية للباحثين، كان البروفسور فلاطوري يعدّ لمشروع فهرس المؤلفات الشيعية. يستعرض هذا العمل الضخم والعالمي، الكتب الشيعية في حقول العلوم والبحوث من البداية وحتى الوقت الحاضر. وقد تضمّن هذا المشروع إتاحة المعلومات المطلوبة للباحثين بسرعة كبيرة، وقد تكلّف هذا المشروع جهوداً جبارة ليخرج في ستة مجلدات ، وعدّه البروفسور ديم مفخرة عظيمة، وذكرى خالدة عن المرحوم فلاطوري.


تمكنت هذه المكتبة من حثّ الباحثين على الولوج في المباحث الخاصة بالشيعة والتشيّع، ولا أنسب من أن ننقل هنا نصّ حديث السيد ماتس:


«المذهب الشيعي هو ثاني أكبر مذهب بعد مذهب أهل السنة، ويمكن أن نقول بثقة بأن الجهود التي لم تعرف الكلل للبروفسور فلاطوري، ساهمت إلى حدّ بعيد في تشجيع الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية إلى الاهتمام بالمذهب الشيعي. وكان افتتاح هذه المكتبة أثناء مؤتمر الاستشراق لجامعة كولن بمثابة الخطوة الأولى لهذه الجهود الجادة.»


علينا أن لا ننسى بأن هذه المكتبة قد رأت النور بفضل الإعانات الشعبية والمساهمات غير الرسمية الحكومية، أي من المبالغ المرصودة من قبل الحكومات في المجالات الثقافية، أي بعبارة أخرى، أنها ليست حكومية، وتعتبر هذه السياسة أنجع أسلوب في مجال تقديم الخدمات الثقافية، وذلك لأن لدى الحكومات من المشاكل والمسؤوليات ما يحيد بها عن تحمّل مثل هذه الأعباء. بالطبع، لم تكن عملية جمع التبرعات والإعانات من قبل البروفسور فلاطوري بالمهمة السهلة، فقد استطاع، كما يقول البروفسور، من خلال ما عرف عنه من إصرار وعزيمة، أن يهيّئ بعض الإمكانات من جامعة الولاية والمؤسسات الثقافية في الإيرانية والمصرية، وكذلك الجمعيات الإيرانية في الولايات المتحدة وأوروبا، وكان همّه الرئيسي أن يجعل من مشروع تأسيس المكتبة الشيعية مركزاً يستقطب الدراسات المهتمة بالمذهب الشيعي، لا أن يثير الحساسيات الطائفية بين السنة والشيعة. للأستاذ توروشكا(Tworuschka) زميل وصديق البروفسور الحميم نفس هذا الرأي، حيث يقول:


«يعتبر الأستاذ فلاطوري، العالم المتبحر في العلوم الشيعية ومصادرها، مؤسس المكتبة الشيعية في كولن، كانت أبحاثه تصبّ باتجاه تعزيز الوحدة الإسلامية. خلال سنوات عديدة وبالتدريج، تحوّل إلى شخصية مرموقة ترمز إلى وحدة المذاهب الإسلامية، ولا أدلّ على ذلك اختياره، وهو العالم الشيعي، عضواً في مجلس جامعة الأزهر المصرية.»


يتعدّى دائرة نشاط هذه المكتبة مدينة كولن أو ألمانيا، فشهرتها العالمية غطت الآفاق، وينهل من علومها الباحثون من شتى أرجاء العالم، وقد خُطّط لها من البداية أن تكون ذات صبغة عالمية.


على أيّ حال، إن أهمية المكتبة وتأثيرها من العمق بحيث استطاعت أن تغيّر مسيرة العديد من الباحثين الألمان، والدول الغربية بشكل عام، وتركت بصمات واضحة على نتائج معظم الدراسات الدينية، فكما صرّح البروفسور ديم، إنّها أعظم مكتبة متخصصة لمذهب معين في العالم الغربي.


الوضع الراهن


تستقر المكتبة الشيعية في كولن قلب مؤتمر الاستشراق في الجامعة، وهي وإن كانت تشغل مساحة صغيرة نسبياً(في غرفة أبعادها 5.5*6متر مربع) إلا أنها تضم حوالي 10 آلاف كتاب في شتى فروع الفكر الشيعي، خاصة الإثنا عشري، والتي تشمل: تفسير القرآن، والفقه، والفلسفة، والكلام، والعرفان، والأخلاق العملية وبالأخص علم الأصول، والفتاوى. وهي تضم كتباً فريدة من نوعها ترقى إلى القرنين الـ19 و20، كما يغطي قسم من المكتبة التحولات الثقافية والسياسية المعاصرة في إيران ما بعد الثورة.


شرعت المكتبة بباكورة مشترياتها من الكتب في عام 1949، عندما كان يرأسها البروفسور گراف(Graf)، لكن في ذلك الزمان، لم يحدّد للمكتبة اتجاهاً معيناً بعد. أما القسم الأعظم من المشتريات فقد تم خلال رئاسة البروفسور فلاطوري في الفترة 1965- 1975، وذلك بشراء الكتب من المكتبات الخاصة في إيران بما فيها المخطوطات النفيسة، ومن ثم نقلها إلى مدينة كولن، وشهدت المكتبة أوج توسّعها في الأعوام 1966- 1975.


تطوير المكتبة


إن تطور الدراسات ذات الصلة بالمسائل الكلامية والاجتماعية والجغرافية والفقهية الشيعية في الغرب، تلحّ باتجاه ضرورة النهوض للارتقاء بالمكتبة، فهي بوضعيتها الراهنة لا يمكن تقديم خدمات معلوماتية مناسبة وشاملة، بل يتأتى هذا الأمر من خلال زيادة حجم الكتب الموجودة، وتأسيس قسم فعال وعصري لأرشيف الدوريات وآخر للبرامج الكومبيوترية والسمعية البصرية، وإنشاء موقع لها على الشبكة العالمية(الإنترنيت).


كلنا أمل بأن ينعطف اهتمام القائمين على الثقافة في ألمانيا، والكادر الجامعي في جامعة كولن وقسم الاستشراق فيها، وجميع المهتمين بالثقافة الشيعية نحو تطوير هذه المكتبة والارتقاء بها.