كلمة التحرير
اقترنت ديناميكية الحضارة الإسلامية وتوسعها في القرون الأولى لظهور الإسلام بظهور تجارة الكتب بين الناس. ولما كان ازدهار سوق الكتاب متوقفا على عاملين رئيسيين هما: الورق والتأليف، فقد عمد المسلمون إلى تطوير هذين العاملين لديهم.
عرف المسلمون الورق في القرن الثاني الهجري (القرن الثامن الميلادي)، وتمّ على أثر ذلك تأسيس مصانع إنتاج الورق في مختلف المدن تدريجيا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد اطلع المسلمون على علوم الحضارة الفارسية واليونانية والرومانية، وكانت تعاليم الإسلام تحثّ المسلمين وفي مناسبات عديدة على طلب العلم وتنمية آفاق العقل، مما أدى إلى طرح أسئلة كثيرة كان لزاما على العلماء تهيئة الإجابات المناسبة لها. وأدى هذا الأمر إلى حدوث قفزة في عملية وضع الإحصاءات عن المؤلفات وارتقائها. ومع تزايد أعداد الكتب والمخطوطات، برزت ظاهرة جديدة هي بيع الكتب، عبرت عنها المصادر العربية الأولى بمصطلحات من قبيل «سوق الكتب» أو «بيع الكتب» أو أحيانا بـ«سوق الورّاقين»، حيث نتج عنها تهيئة أمكنة خاصة لبيع وشراء الكتب، وأصبحت ملتقى للعلماء وتهيئة الورق والاستنساخ والتجليد وما شابه ذلك من الأعمال.
ازدهرت محلات بيع الكتب وانتشرت في المدن المهمة والمعروفة آنذاك مثل بغداد وقرطبة والقاهرة وخراسان والشام. وكانت المكتبات في ذلك الوقت تضم كذلك معارض خاصة بها ومخازن كبيرة للكتب، ثم أصبحت بعد ذلك توفر أماكن خاصة للمطالعة أتاحت للمؤلفين حرية مطالعة الكتب بسهولة ويسر، حتى غدت ملتقى مناسباً للأساتذة والطلاب يتبادلون فيها طرح الأسئلة والأجوبة. ويذكر أنّ أشخاصاً من أمثال ابن النديم وياقوت الحموي وعلي بن عيسى (المعروف بابن كوچك) وغيرهم كانوا يقضون معظم أوقاتهم في تلك المكتبات، وعلاوة على أعمال التجارة والتأليف، كانوا يقدّمون المشورة إلى المؤلفين ومراكز البحث والتعليم والملوك والأمراء من عشاق العلم.
وقد بلغت أسواق الكتاب في العهد العباسي أوج ازدهارها، حتى أنّ اليعقوبي كان قد ذكر أكثر من مئة محل لبيع الكتب في محلة (وضاح) وحدها في مدينة بغداد.
على الرغم من أن تاريخ أسواق الكتب يضرب بأطنابه في عمق الحضارة الإسلامية، لكن ظهور معارض الكتاب بشكلها المعاصر بدأ في الدول الغربية في أوائل القرن العشرين، ثم تطورت شيئاً فشيئاً حتى أصبحت جزءاً من الحالة الثقافية وحتى الاقتصادية لتلك الدول.
ومهما يكن من أمر، فلا ينبغي أن نعتبر معارض الكتاب مجرد أماكن لعرض الكتاب في أيام محددة، أو مكاناً لقضاء أوقات الفراغ والتسلية؛ فالمعارض حلبة تتلاقح فيها ثقافات الشعوب المختلفة، وهي منافذ لدخول الثقافات الأخرى، وقناة لتصدير الثقافة إلى خارج الحدود الجغرافية. إنها تعني السعي إلى تنظيم التعاليم المستندة إلى التديّن والتدبّر في المجتمع وتطوير العقلانية والدين والثقافة.
إنّ معارض الكتاب مناسبة لتعميق الأواصر بين الناشر والكاتب والقارئ على السواء. وهي تعتبر سجلاً بالنشاطات الثقافية لمجتمع ما، وبالتالي اطلاع المشاركين على هذا السجل.
وأخيراً، فإنّ تلك المعارض تمثل الاستفادة الإيجابية من تجارب الشعوب الأخرى ومثقفيها للنهوض بالكفاءات الفردية والجماعية المحلية.
ومن ناحية أخرى، تعتبر في الواقع مؤشراً على الاحتياجات ونقاط الضعف التي تتخلل ثقافة المجتمع. لكن جمال تلك المعارض قلّما تجعل الزائر يتنبّه إلى تلك الاحتياجات. وقد يكون هذا هو السبب في عدم اتخاذ الخطوات الجدية من قبل إدارة المعرض لتأشير تلك الاحتياجات. وحتى لو كانت هناك محاولات في هذا المجال فإن التغطية الإعلامية لها كانت غائبة. وكما كان للنقد ثماراً مشهودة في مجالات أخرى، فإنه يجب هنا أيضاً فتح باب النقد على مصراعيه.
تتطلب معارض الكتاب في الوقت الحاضر تقنية معقدة، تتوزع على حقول علم الإدارة وتفعيل العلاقات الداخلية والخارجية وصناعة النشر والمعرفة الواسعة في مجال التأليف والكتابة واستقصاء الاحتياجات الثقافية وأخذ المنطلقات الفكرية في المجتمع بنظر الاعتبار، وأخيراً معرفة وافية باقتصاد المعارض وتجارة الكتب والدوريات في العالم. وبعبارة أخرى فإنّ إقامة المعارض وإدارتها تتطلّب نوعا من أنواع الاحتراف والصناعة الجادة، ولم تعد من الأمور الشكلية. فمعارض الكتاب التي تقام في منطقتنا والعالم أجمع تعتمد المنافسة الحادة فيما بينها، كما هو الحال في الألعاب الرياضية حيث يعتبر الفوز مدعاة للفخر والرفعة. وأما توقعات الشريحة المثقفة في إيران من إدارة معرض طهران الدولي للكتاب فهو بذل قصارى جهدها لتطوير المعرض المذكور، والعمل على زيادة المؤشرات الإيجابية فيه، وسَلب الأضواء من معارض القاهرة والشارقة ودمشق وحتى معرض فرانكفورت وشيكاغو في المستقبل، ولا يتيسر هذا إلا بالاستفادة من الاختصاصات المتنوعة وإيلاء المتخصصين في مجال الثقافة العامة كامل الثقة.
على أية حال فقد انطوت صفحة معرض طهران الدولي الرابع عشر للكتاب بكلّ ما تحمل من ذكريات حلوة ومرّة، وبدأ أعضاء هيئة التحرير في مجلة (الكتب الإسلامية) دراساتهم لتقييم الأبعاد الثقافية المختلفة للمعرض المذكور، فخصصوا جزءاً من أعمالهم تلك لإجراء المقابلات مع الشخصيات العلمية في الداخل والخارج، حيث أرسلت إلى كثير منهم بطاقات الدعوة مرفقة ببعض الأسئلة تشكل موضوع المقابلة. وأكثر من هذا فقد طالبنا بإقامة ندوة يحضرها بعض المسؤولين والنقّاد لدراسة المشاكل التي تواجه المعرض، وذلك لحثّ المحللين الثقافيين على إبداء اهتمام أكثر بمسألة إقامة المعارض، وأن يضعوا أمام المسؤولين حلولاً صحيحة من خلال نقدهم البناء.
تتعاطى الدوريات مع المعرض من زاوية إخبارية، وقلّما تقوم بتحليل أبعاده وجوانبه المختلفة. ومهما يكن من أمر فإن معرض الكتاب الدولي يعتبر تظاهرة ثقافية كبيرة يمكن أن تكون لها تأثيرات عميقة على الثقافة الإيرانية، وكذلك تهيئة أسباب تصدير الثقافة إلى خارج البلاد.
ونعتقد أنّه بات من الضروري توظيف كلّ الجهود باتجاه سبر الأبعاد الواسعة لهذه الظاهرة الثقافية وذلك من أجل الكشف عن العوامل المؤثرة في هذا المسار، أو على الأقل تقديم تقرير شامل للشعب والمختصين حول المشاكل والتحديات في هذا المجال، ورسم صورة عما يجري خلف الكواليس. قد ينطوي هذا الأسلوب على نتائج سلبية ظاهرية على مستوى الإدارة، لكنه في المقابل سيحقق نتائج إيجابية كثيرة.
ولعل أقل فائدة يمكن جنيها هي تعرّف المختصين في مجال الثقافة على وقائع تهمهم حتى يتسنى لهم تحليل المسائل تحليلاً واقعياً وأساسياً. وهو أمر سيساعد بلا شك على تطوير مسيرة الثقافة على المدى البعيد.
وهكذا فقد استنفرنا جميع
طاقاتنا لإلقاء نظرة فاحصة على معرض الكتاب، ولسنا ندّعي أننا نقدم عملاً
متكاملاً في هذا المجال، فلابد أننا أغفلنا في هذا التقرير آراءً مهمة وجديرة
بالاهتمام. وكلنا أمل أن نرى العلماء والمثقفين وهم يرفدوننا بما لديهم من
إرشادات ونقد لنتمكن من وضع تقرير تحليلي شامل عن هذا التجمع الوطني الكبير
في المستقبل .
|