بحوث القرآن ومعرض الكتاب الدولي في طهران

حديث مع السيد محمد علي أيازي

في لقاء ودي وعلمي بالسيد محمد علي أيازي، تناولنا أطراف الحديث عن دور معرض طهران الدولي للكتاب في تنمية بحوث القرآن المعاصرة في إيران. للسيد أيازي كتب ومقالات عديدة ومتنوعة في علوم القرآن وبحوثه ويعتبر من الشخصيات المرموقة في إيران والمنطقة في هذا المجال خلال العقدين الأخيرين.

كيف كان الارتقاء الكمي للكتب القرآنية في معرض طهران بلغة الأرقام ؟

بعد الثورة الإسلامية في إيران وعلى مدى عقدين، شهدنا تحولاً كمياً ونوعياً في مجال الدراسات والبحوث والنشر القرآني. فقد انتشرت مسابقات حفظ وتلاوة القرآن وشاع تعليمه بشكل ملحوظ. وخلال هذه الفترة نُشرت أنواع الرسائل الجامعية والكتب والمقالات. وأما في خصوص التأليف والنشر وصلة ذلك بالمعرض في العقد الأخير فهناك حديث طويل. تأثير معرض طهران الدولي للكتاب في البحث القرآني في إيران يعدّ إيجابياً بالتأكيد. فبإدخال المعرض لبعض المراجع والمصادر القرآنية، أعدّ مادة جيدة للمترجمين. والحقيقة هي أن المعرض كان الباب الذي دخل منه الكثير من الكتب التي تُرجمت خلال هذه الفترة. هذا بالإضافة إلى أن المعرض دفع بمؤلفات ومعلومات وموضوعات جديدة إلى أوساط البحث القرآني، الأمر الذي أدى إلى تطوير مستوى البحوث القرآنية. ولذلك نجد في المؤلفات الأخيرة الكثير من الإحالات إلى كتب مرجعية في القرآن دخلت إلى البلاد عن طريق معرض الكتاب. طبعاً يصعب التحديد الدقيق لعيّنات العلاقة بين معرض الكتاب والبحث القرآني في إيران. إلا أنه يمكن القول بشكل عام إن للمعرض دوراً "إيجابياً" في هذا المجال. فعندما نلاحظ مثلاً إحصائيات الكتب القرآنية من سنة 1997 إلى سنة 2000 نجد أن الكتب المنشورة خلال تلك السنوات هي 441، 461، 769، 833 على التوالي. كما ارتفع عدد المجلدات والعناوين الجديدة، فمثلاً أضيف 80 عنواناً جديداً إلى البحوث القرآنية خلال الفترة من 1997 إلى 2001. وهناك تحوّل في الموضوعات القرآنية أيضاً. فإذا كنا نرى في السابق عناوين قرآنية عامة من قبيل ترجمة القرآن وتفسير القرآن وعلوم القرآن، فاليوم نجد موضوعات جديدة من قبيل دلالات ألفاظ القرآن والهرمونوطيقيا ولغة القرآن.

وفي مجال الثقافة العامة نلاحظ تغييراً أيضاً، فمثلاً بلغ عدد نسخ القرآن المطبوعة في عام واحد 2000000 نسخة كما طرحت ترجمات عديدة تحاكي الأدب الحديث.

هل توجد إحصائيات تفصيلية تحكي عن مستوى النمو الحاصل في مختلف المجالات؟

بشكل عام لا يوجد اهتمام بالإحصاء في إيران. فنحن لم نعتد على البرامج الإحصائية. إلا أن التخمينات المحدودة المتاحة تحكي عن ملاحظات مفيدة.

ففي مجال التفسير ارتفع العدد من 20 عنواناً في عام 1998 إلى 216 عنواناً، وفي تاريخ القرآن من 7 عناوين إلى 10 عناوين. إلا أن الأهم من إحصائيات عدد الكتب وعدد طبعاتها وتزايد العناوين وغير ذلك من القضايا الكمية، هو النمو النوعي. ففي الأعوام الأخيرة، عُرضت كتب راقية تمثلت في بحوث تحقيقية ورسائل جامعية. ولكن لا يمكن أن نجيب عن سؤال "هل نما البحث القرآني أيضاً؟" من دون أدلة. ففي هذه الأمور يصعب تقديم إحصائيات. ورأيي هو أن التغيير كان إيجابياً في هذا المجال أيضاً. وما يدلني على ذلك هو الرسائل الجامعية. فقد قرأت أنا شخصياً الرسائل الجامعية الأولى في القرآن على عهد الستينات في كلية "الإلهيات" التابعة لجامعة الفردوسي في مشهد. ويمكن القول إن 98% من هذه الرسائل غير صالحة للنشر، بمعنى لا يصلح عرضها للناس. فمستواها العلمي واطئ جداً. وفي طهران لم يكن الحال أفضل من مشهد، أي أنها لم تكن في حينها صالحة للنشر حتى مع ملاحظة المستوى العلمي لذلك الزمان أيضاً. أما اليوم فيوجد لدينا الكثير من الرسائل الرصينة في مجال العلوم القرآنية. ولعلنا نستطيع القول إن 20% من الرسائل الحالية صالحة للنشر. هذه مجرد عينة للتطور النوعي الحاصل في البحث القرآني.

طبع الرسالة يعني في الحقيقة تقديمها إلى الأوساط العلمية ويعني ـ إلى حد ما ـ جودة تلك الرسالة. إحصائيات الأعوام 1953 إلى 1981 تحكي عن أن القليل من الرسائل تم نشرها، وأما البقية فقد قبعت في زوايا مكتبات الكليات وأرشيف الرسائل. في حين في الأعوام الأخيرة، ارتفعت نسبة نشر الرسائل بشكل ملحوظ. فقد نشرت 25 رسالة قرآنية في العام 1997 وحده. ومثلاً على ذلك، يمكن الإشارة إلى اقبال القراء على بعض الرسائل في العام الماضي، مثل رسالة السيدة شادي: "النزعة العقلية في تفاسير القرن الرابع".

وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي لها ضوابط لطبع الرسائل القرآنية في الوقت الحاضر واتخذت بعض التدابير في هذا المجال. فقد دعمت أكثر من 20% من الرسائل واستعدت لنشرها. وطبعاً رحبت دور النشر الخصوصية بهذا العمل أيضاً ودفعت ببعض الرسائل إلى الطبع.

ومع أن بعض البحوث القرآنية ـ الرسائل وغيرها ـ هي بمستوى بحوث الباحثين العرب في بلدان أخرى، إلا أن الإحصائيات تكشف عن أن 20% فقط من الرسائل كانت صالحة للنشر، وأن 80% منها لا تصلح للنشر، وهذا بحد ذاته يكشف عن توانٍ لدى الجامعات في هذا المجال. الكثير من هذه الرسائل يفتقد الموضوعات والمحاور الدراسية ذات القيمة العلمية، أو أنها تفتقد المستوى المطلوب من البحث والكتابة والتأليف لغرض النشر. وهذا يعني عدم الاهتمام الجاد بالمعطيات الحديثة والعالمية. الرسائل هي ثروة وطنية تستدعي تكاليف باهظة من الطالب والأستاذ والجامعة. من هنا ينبغي لها أن تخرج بشكل جيد وبالمستوى المطلوب. فمثلاً، العربية السعودية خططت بشكل يتيح نشر كل الرسائل الجامعية. هذا البلد يدعم الأستاذ والطالب مادياً ومعنوياً ويضع أمامهم موضوعات مفيدة وحية.

بشكل عام، هل تعتبرون طريقة تعاطي معرض طهران وحالة علوم القرآن في الجامعات إيجابية؟

معرض طهران في السنوات الأخيرة حقق عدة أعمال في مجال البحوث القرآنية:

أولاً: نقل موضوعات ورؤى جديدة من المفكرين والكتاب المسلمين في البلدان الأخرى إلى إيران.

ثانياً: وضع مصادر نافعة بين أيدينا.

ثالثاً: عبّد الطريق أمام تلاقي الباحث الإيراني بالباحث في الخارج في مجال القرآن.

رابعاً: نبّه الباحثين الإيرانيين إلى تراثهم القرآني القيّم.

هذه هي إنجازات معرض طهران للكتاب في هذا المجال. إلا أن على أساتذة علوم القرآن والطلاب والمسؤولين الأكاديميين في الجامعات أن ينتفعوا بهذه المعطيات الأربع بشكل جيد. يبدو أنه لم يتم الانتفاع بشكل كامل من هذه المجالات. عدم الانتفاع كاملاً يرجع إلى عوامل من قبيل تخلف بعض الأساتذة عن ركب العلم وتحديث مخزوناتهم العلمية أو بتعبير آخر استغراقهم في التدريس بالشكل الذي لا يترك لهم مجالاً كافياً لمتابعة القضايا الجديدة. الهيئات العلمية والمسؤولون الأكاديميون والثقافيون في الجامعات لم يكونوا بالمستوى المطلوب في هذا المجال، وأما الطلاب فيفصلهم عن العالم الخارجي ـ أي العالم العربي والغربي ـ حاجز اللغة والثقافة، ولم يبلغوا بعد مرحلة تؤهلهم للتفاهم والتعامل الأفضل مع النتاج الثقافي المستورد.

كل هذه العوائق ترجع إلى التأخر الثقافي وانقطاع إيران علمياً عن المؤسسات العلمية والثقافية في الخارج. وهذه الأوضاع أدت إلى أن تطرح الأوساط الثقافية في إيران بحوثاً أكل الزمان عليها وشرب، بعيدة عن واقع الحال، تعيش في زمن مضى وانقضى، وبالتالي لا تسد نقصاً ولا تملأ فراغاً.

وهنا ينبغي ألا نغفل عن العوامل السياسية التي يمكنها إيجاد الظروف الملائمة والتحرك اللازم لكي يبتكر الفرد ويخلق الجديد. ينبغي للمحيط الفكري أن يكون بمنأى عن التهم والأجواء المفتعلة، وإلا فإن الأمر سيؤول إلى اتجاه الباحثين نحو موضوعات قليلة الجدوى أو تنقيح النصوص القديمة في أحسن الأحوال. لا بد من أن نعين الباحث على امتلاك الشجاعة الكافية لطرح نظريته المبتكرة التي عمل سنوات عليها. لا ينبغي للطالب والأستاذ أن يقنعا بالبحوث المريحة. في بعض البلدان تطرح موضوعات للدراسة لا تنسجم مع توجهات الجهة الحاكمة تماماً. هناك أساتذة معارضون يعملون في الجامعات العربية ولا أحد يعترضهم. وعلى أي حال، التسامح هنا يفسح المجال أمام نمو الفكر ونضجه. بعض الطلاب يأتون لاختيار موضوع رسالتهم فيُقترح عليهم موضوع، ولكنهم يعدلوا عنه بعد حين ليقولوا إن إدارة الكلية أو الأستاذ المشرف يرون أن هذا الموضوع مثير للمتاعب! ضغوطات من هذا القبيل تغلق الأذهان. ينبغي الاستفادة من وجود المفكرين في الجامعات وفي نفس الوقت العمل على استقطاب غيرهم من المفكرين نحو هذا المحيط العملي.

المسألة المهمة الأخرى هي عدم تنظيم الأساتذة لبرنامج عملهم. فهم يعهدون بتدريس العديد من الحصص ويشرفون على العديد من الرسائل، بحيث لا يجدون فرصة لقراءة تلك الرسائل ولا لمتابعة الطالب والرسالة بشكل مناسب، فضلاً عن زيارة المعارض والاتصال بالناشرين والمفكرين الأجانب وتطوير المعلومات.

كما تعلمون أن الكتب على أنواع مختلفة. وكذا الأمر بالنسبة إلى الكتب القرآنية، فهي على أنواع مختلفة أيضاً. فما الذي تكشف عنه إحصائيات المعرض برأيكم؟ هل تكشف ارتفاعاً في نسبة نوع معين أو أنواع معينة؟

تصنيف الكتب القرآنية إلى: الكتب المرجعية، التحليلية، الترجمة، المجلات والتراث، يعتبر صحيحاً، إلا أن الإحصائيات الموجودة في هذا المجال غير واضحة. فكتاب "التفسير والمفسرون" للذهبي أو كتاب «المفسرون، حياتهم ومنهجهم» أو كتاب «دانشنامه قرآن» (الموسوعة القرآنية) للسيد بهاء الدين خرمشاهي، هي من الكتب المرجعية، أي أنها تصنف في خانة الموسوعات. فالمعاجم والكشافات والفهارس القرآنية التي تقع في صنف الكتب المرجعية، يقوم المعرض بعرضها، ويمكن القول إن المؤلفين في إيران قد ارتقوا في هذه المجالات وقدموا في ذلك مؤلفات. على سبيل المثال، عرضت في السنوات الأخيرة كتب مفردات واصطلاحات عديدة جاء بعضها على طريقة مفردات الراغب الإصفهاني. نسبة الكتب المرجعية القرآنية تعد قليلة قياساً بغيرها. تحقيق وتنقيح الكتب القديمة بدأ في بعض الدول قبل إيران، وفي المعرض أعمال من هذا القبيل قام بها باحثون إيرانيون. نسبة طباعة الكتب في إيران في حال تصاعد. عرض ترجمات متعددة في السنوات الأخيرة يحكي عن تقدّم في علم الترجمة في هذا المجال. ويذكر هنا في مجال المجلات التخصصية القرآنية أن نشاط مجلة "گلستان قرآن" كان فاتراً. وعموماً لم يخطو المعرض بشكل جاد تجاه المجلات القرآنية في الدول العربية والعالم الإسلامي.

ولكن من زاوية أخرى يمكن تصنيف الكتب القرآنية إلى عدة مجموعات: المؤلفات التي تميل إلى موضوعات في تاريخ القرآن وتاريخ التفسير وعلوم القرآن ارتفعت بنسبة 30%. وبنسبة أقل في مجال مختارات التفاسير والتفسير الموضوعي، تقريباً 15%. إلا أن أعلى نسبة سجلتها كتب المعارف القرآنية التي تمثل بحثاً في داخل النص القرآني بشكل من الأشكال من قبيل الإنسان، الاقتصاد، والأخلاق الاجتماعية في القرآن. فالإحصائيات الموجودة في هذا المجال تشير إلى ارتفاع بنسبة 50%.

هذه الإحصائيات جميعاً تتعلق بالمؤلفات الداخلية. وعلى أي حال، هناك تنامي في تأليف ونشر الكتب القرآنية في إيران واكب التنامي الحاصل على مستوى العالم الإسلامي في هذا الميدان. وهنا تلعب المعارض الدولية دوراً لا يُستهان به.

هل تعتقدون أن تنوع طباعة القرآن في إيران هو نتيجة للتأثر بالمعرض؟

هناك دور نشر في البلدان العربية متخصصة في طبع أنواع القرآن، من القرآن الذي يُرى بالمكبرات وإلى القرآن الضخم وبأشكال متنوعة جداً. بعض دور النشر هذه تشارك في معرض طهران للكتاب. في إيران كان ولا يزال لدينا دور نشر متخصصة في القرآن، إلا أن منتجاتهم لم تكن في السابق متنوعة بالشكل الذي لدى الناشرين الأجانب، ولكن يمكن القول إنهم في تقدم. والأهم من ذلك هو تصدير القرآن المطبوع في إيران إلى الخارج والذي لا بد أن يجري من خلال المعرض. فهذا العمل ينطوي على أثرين: الأول هو التمتع بالفن والرسم والخط الإيراني وتثمينه في هذا الحقل، والثاني هو الإفصاح عن عدم صحة ما يدعو إليه بعضهم من أن قرآن الشيعة يختلف عن قرآن المسلمين، وإيضاح أن القرآن هو بشكل واحد لدى المسلمين جميعاً.

ما هي بنظركم العوائق التي تحول دون دخول الناشرين الإيرانيين إلى الأسواق العالمية في مجال القرآن؟

إحدى المشاكل ترتبط بمحدودية اللغة الفارسية ونسبة القراء باللغة الفارسية في العالم. المشكلة هي أن الكتب القرآنية باللغة الفارسية لا تُقرأ في نحو من 25 دولة عربية. هذا في حين أن الناشرين العرب لديهم أسواقاً في 25 دولة يعملون ويشترون ويبيعون فيها. وعدم تصدير أغلب الكتب الإيرانية إلى الأسواق العالمية يعني بالتأكيد تحديد نسبة دراستها وتحليلها ونقدها من قبل الآخرين. عدم خروج الكتب يؤدي إلى انعدام المردود الاقتصادي أو قلته، وبالتالي فتور النشاط العلمي.

وفي بلدان كإيران ينبغي إيجاد محطة وسيطة يمكن فيها ترجمة الكتب المطلوبة أو الإعلان عنها بالشكل اللازم. فمثلاً يُقال للراغبين إن هذه الكتب تدور حول الموضوعات التالية وإذا أرادت مؤسسة أو باحث قسماً منها فإنه يتم ترجمته وإرساله إليه. للأسف أن الترجمة والإعلام في إيران هو باتجاه واحد. فنحن عادةً نقوم بترجمة مؤلفات غيرنا ولكن قلّما نقوم بترجمة مؤلفاتنا وتقديمها إلى العالم. وهكذا الحال بالنسبة إلى الإعلام، فغيرنا لا يعرف عنا إلا القليل، إلا أن معلوماتنا عن غيرها لا أقول إنها بالمستوى المطلوب إلا أنها مفيدة نوعاً ما. وعلى إدارة معرض كتاب طهران أن تفكر بحل جاد في هذا المجال.

هل وصلت مؤلفاتكم أنتم إلى خارج إيران؟

كتاب "المفسرون، حياتهم ومنهجهم" تم طبعه في إيران وتوزيعه في بعض البلدان العربية. طبعاً الكتاب كان من منشورات الثقافة والإرشاد الإسلامي في إيران ولم يكن لهذه الدار خطة جادة لتوزيع الكتب في الخارج، لهذا لم يلقَ الرواج المطلوب. وأنا أنوي نشر المجلد الأول والثاني من الكتاب في الخارج أيضاً. الباحثون في لبنان وسوريا وجدوا في بعض مؤلفاتي، ككتاب "القرأن والتفسير العصري"، كتباً مفيدة، وقد تمهدت الأمور لنشره وأنوي إرساله إلى هناك. وعلى أي حال، حصل الآن تحرك ما في تصدير الكتب في إيران إلا أنه بحاجة إلى تخطيط جذري.

في المملكة العربية السعودية يجعلون عادة نسخة أو نسخاً معينة من القرآن أساساً للعمل، بمعنى أنهم ينشرون نوعاً من الخط والتلفظ يتناسب والثقافة العامة. وفي إيران توجد بين الناس أنواع من نسخ القرآن وبأشكال من الخطوط. كما أن معرض الكتاب يأتي بشكل ما بنسخ من القرآن من البلدان الأخرى. أليس من الضروري اعتماد نوع واحد من القرآن ووضعه في متناول الجمهور؟ هل تؤيدون أنتم التنوع في هذا المجال؟

منظمة الإعلام الإسلامي ومؤسسة الأوقاف والشؤون الخيرية تتعهدان بالتخطيط والإشراف على طباعة القرآن المرجع، أي القرآن الذي يعتبر نموذجاً في الخط والكتابة. ويبدو أن هاتين المؤسستين ليس لهما إلى الآن خطة عمل شاملة وفاعلة في هذا الصدد. ذلك أن نسخهما من القرآن لم ترقى إلى مستوى المعروض في البلدان العربية. ومن ناحية أخرى، الخط الذي تعتمده هاتان المؤسستان هو خط عثمان طه وهو في الحقيقة تقليد للنسخ القرآنية المطبوعة في الخارج. أي أنه لا يوجد تحرك جاد للتخطيط لعمل مستقل في خصوص نوعية الكتابة والخط المستخدم في القرآن. إلى الآن لم تُحل مسألة التطابق بين الملفوظ والمكتوب بالنسبة إلى قرّاء القرآن في إيران. فمثلاً «بيّنات» تكتب «بيِّنت» ولكنها تقرأ «بيّنات».

طبعاً مسألة تطابق الملفوظ والمكتوب هي موضع حديث بين الأدباء العرب أيضاً، والآراء مختلفة في هذا المجال. والمهم هنا أنه لا توجد في المعارض القرآنية وحتى في معرض طهران الدولي للكتاب ندوات وتجمعات علمية جادة للانتفاع بتجارب الآخرين في هذا المضمار. كما أنه لا توجد الشجاعة الكافية لتغيير الخط ـ الذي هو ليس توقيفياً ـ لدى الأجهزة المعنية.

لكي نتحدث بوضوح أكثر عن دور معرض طهران للكتاب، هل تسمحون لنا بالعودة للحديث عن كتبكم؟ كل من يرى كتابكم «المفسرون» يتبادر إليه ومن دون شعور كتاب الذهبي «التفسير والمفسرون» ويتساءل عن علاقة هذين الكتابين؟

نعم، عندما رأيت كتاب الذهبي أخذت تراودني فكرة تأليف كتاب أكمل من كتاب الذهبي وعزمت على تأليف كتاب «المفسرون، حياتهم ومنهجهم». أي أن ذاك الكتاب هو الذي أوجد لدي الموضوع والحافز. والجديد الذي قدمته في هذا الكتاب هو أن الذهبي لم يذكر من التفاسير الشيعية إلا خمسة مع اختيار غير مستحسن لها أيضاً. فهو قد اختار تفاسير ينتقدها حتى الشيعة أنفسهم. على سبيل المثال، لم يأت بـ «تفسير الشيخ الطوسي»، في حين جاء بتفسير «مرآة الأنوار» للكازروني، والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري، و«بيان السعادة» للگنابادي. كما جاء بتفسير «بيان الأئمة» للعلوي الذي تدور حوله مشكلات ونقود جادة. وما قمت به هو أني قدمت نحواً من أربعين تفسيراً شيعياً. الأمر الثاني هو أن وصفي للتفاسير وتعريفها جاء بلا تقويم ولا حكم عليها. قمت بتعريف جميع كتب التفسير الشيعية والسنية على ترتيب حروف الألفباء. من هنا، كان دافعي إلى تأليف هذا الكتاب هو تكميل وإصلاح كتاب محمد حسين الذهبي. وهناك باحثون آخرون غيري عثروا على موضوعات من هذا القبيل أثناء تجوالهم وشرائهم المصادر من معرض الكتاب.

نموذج آخر، كتابكم: «القرآن والتفسير العصري»، السيدة بنت الشاطئ لها كتاب تحت عنوان «القرآن والتفسير العصري» ومحمد أحمد خلف الله له كتاب تحت عنوان «القرآن مشكلات الحياة المعاصرة» ومصطفى محمود له كتاب باسم «القرآن محاولة لفهم عصري». فهل اقتبستم أنتم من هذه المصادر؟

هذا الكتاب يدرس عملية تطوّر التفسير العصري. كما يتناول الاتجاهات والتعاليم المطروحة فيه. بعبارة أخرى حاولت بنظرة عامة من الخارج تحليل التفاسير التي حاولت الانسجام والتوافق مع عصرها. طبعاً تطرقت أيضاً إلى العوامل والأرضيات التي ساهمت في ظهور بعض أنواع التفسير العصري. فما قمت بدراسته هو طبيعة التطورات والتغييرات التي وجدت في تفكير المفسرين خلال أربعة عشر قرناً والتي دفعت بمفسري كل مرحلة إلى طرح مسائل معينة. فمثلاً من الأربعينات إلى السبعينات علا نجم التفسير العلمي بسبب التطور العملي وكثرة المكتشفات والاختراعات في العالم، إلى جانب تخلف العالم الإسلامي عن الركب ووجود أرضيات لتطبيق نظريات ذلك الزمان. إلا أن هذه الحالة ضعفت في زماننا وأخذت الظروف الاجتماعية تملي تفاسير تربوية وأخلاقية ومعنوية. بمعني أن «الهداية» هي المطلوبة من القرآن قبل كل شيء.

فما كنت أحاوله في هذا الكتاب ـ وخلافاً لرأي بنت الشاطئ ـ هو بيان أثر التطورات العلمية والاجتماعية في الاتجاه نحو التفسير، لا أن يقتصر التفسير العصري على التفسير العلمي. هدفي هو تبيين موقع أفكار المفسر وميولاته من هذا التأثير وتحديد معايير لصحة وسقم هذا النوع من التفاسير. فهذه التطورات تركت بصماتها على التفسير حيث ظهر في كل مرحلة من التفسير العصري اتجاه تناسب مع ذلك الزمان.

كباحث في الشؤون القرآنية، توصلتم إلى هذه المعطيات الجديدة من خلال الكتب الحديثة، فهل يا ترى ينتفع غيركم من الأساتذة وطلاب الجامعات وكذا طلاب العلوم الدينية من المجالات المتاحة في معرض طهران بالشكل المطلوب؟

تشتري الكليات والمدارس الدينية جميعاً كميات كبيرة من معرض طهران للكتاب في كل عام. هناك في قم عدة مكتبات تخصصية في القرآن وعلومه، تجمع أغلب مصادرها من معارض الكتب. من هنا، فالمشكلة لا تكمن في انعدام المصادر، بل ينبغي أن نبحث عنها في مكان آخر.

وبرأيي، إحدى المشاكل هي حاجز اللغة بين مؤلفات العالم العربي والباحثين الإيرانيين. اللغة العربية لا تُدرّس في الجامعات وقبل ذلك في الثانويات بالشكل المطلوب. طلابنا قبل أن يواجهوا مشكلة في اللغات الأجنبية، لديهم مشكلة في اللغة العربية. ويذكر بشكل خاص أن الأدب العربي الحديث يحتوي تراكيب ومفردات غير معروفة في إيران بشكل كامل. طلاب العلوم الدينية يعرفون العربية القديمة وهم غريبون عن الأدب العربي الحديث. من هنا لا يوجد منفذ لفهم المصادر القرآنية الحديثة. أردت مرة فهرسة موضوعات تفسير «من وحي القرآن» لغرض ما. الكثير من طلاب العلوم الدينية لم يستجيبوا لأنهم يعانون من عدم فهم النص. المشكلة الأخرى هي فقدان الإعلام الشامل والمواكب. المجلات التخصصية في القرآن، كمجلة «بينات»، تقوم بمهمة الإعلام إلى حد ما، إلا أن هذا القدر لا يكفي، ففي كل سنة يعرض نحو من 200 إلى 300 عنوان قرآني في المعرض. فإذا قامت المجلات بالإعلان عنها واستعراض موضوعاتها، بل وحتى نقدها، فإنها ستوفر بذلك الأجواء المناسبة للرقي بمستوى البحوث.

الجدير بالذكر هو أن الإعلام يأتي متأخراً وليس مواكباً في العادة. أي أن الكتب بعد عرضها في المعرض تصل إلى الجهات المسؤولة عن الإعلام وأصحاب المجلات. والأفضل أن تجري عملية الإعلام قبل عرضها لكي يرغب الباحثون بشرائها ويبتاعون ما يحتاجونه منها عن دراية ومعرفة كافية. ينبغي لإدارة المعرض أن تنشط في مجال الإعلام العلمي وتتجه في كل عام إلى ابتكار طرق جديدة واستخدام أساليب إعلامية متطورة.

ما هو الجهاز المسؤول عن الإعلام والتوجيه على صعيد الكتاب في إيران؟

في مجال المؤلفات القرآنية، لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي قسم باسم معرض القرآن التخصصي، يقوم في كل عام بإقامة معرض للقرآن في شهر رمضان. المشرفون علي هذا القسم بمقدورهم العمل على خطة شاملة وناجحة على صعيد المؤلفات القرآنية الإيرانية والأجنبية، وتقديم إحصائيات متعددة في مجالات مختلفة، بل ويمكنهم القيام ببحوث ميدانية بهذا الصدد وتنظيم عمل المؤسسات والأجهزة الأخرى من خلال توجيه صحيح، ويطلبون من دور النشر غير الإيرانية عرض كتبها القرآنية في هذا المعرض ليأخذوا بجمع الكتب القرآنية للناشرين العرب بطريقة تخصصية.

ما هو رأيكم في مجال النقد؟ إلى أي مدى استطاع معرض الكتاب أن يعين في نقد آراء الآخرين؟

عرض أنواع مختلفة من الكتب وكذا الكتب التي تخالفنا بالرأي تمهّد أرضية الاهتمام والنقد.

الكتب التي قدمها المستشرقون أو المعلومات التي يعطيها عنهم الكتاب العرب في ثنايا كتبهم، مهدت الأرضية المناسبة لنقد آرائهم. فعندما جاء كتاب الذهبي: «التفسير والمفسرون» وتناول قسم منه كتب التفسير الشيعية بالنقد، نهضت مجموعة ـ ومنها آية الله محمد هادي معرفة ـ للعمل على كتابة «التفسير والمفسرون». كما أن عدة رسائل جامعية كتبت في نقد الذهبي. وكذلك بمجيء مؤلفات علي سالوس والوفاري وإحسان الله ظهير برؤى مخالفة للشيعة، قام العديد من الكتاب بنقدها.

لا ندري هذا النقد يذهب إلى الخارج أو لا، ولو ذهب فإنه إلى أي مدى سيكون مؤثراً. ولكن على أي حال، مهمة المعرض هي تعبيد سبل التبادل الثقافي بين الطرفين وعدم سد الطريق بوجه الكتب المخالفة، لأن السبيل الوحيد للنقد والمواجهة العلمية هو عرض الكتب المخالفة والاطلاع عليها.

ما هي السبل التي تقترحونها لتصدير الكتب القرآنية إلى خارج البلاد؟

حلقة الوصل بين إيران والخارج على الصعيد الثقافي هي بالدرجة الأولى منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية. على هذه المنظمة التخطيط بفاعلية في هذا المجال. فمثلاً المجلات المتنوعة التي تصدرها وبلغات مختلفة تعدّ آليات مناسبة للإعلام بالمستوى المطلوب. ولكن للأسف، منظمة الثقافة والعلاقات تكرّس عملها غالباً باتجاه واحد على الواردات. ومن ناحية أخرى، بعض المسؤولين فيها ليسو متخصصين ثقافيين لكي يعرفوا نقطة نقطة انطلاق الثقافة الإيرانية ونقطة انتهائها بشكل جيد ويمارسوا عملهم الإعلامي بعيداً عن الأجواء السياسية برحابة صدر وأفق وسيع.

التعريف بالأعمال القرآنية الإيرانية في الدول العربية سيكون له آثار مفيدة جداً. كنت يوماً عند الشيخ كفتارو مفتي سوريا، كان يقول: اختلقوا جواً ملوثاًً ضد الشيعة وأنهم يعتقدون بتحريف القرآن وأن قرآن الشيعة يختلف عن قرآن المذاهب الأخرى، إلا أن لي نسخة من القرآن مطبوعة في إيران وكل من يقول لي إن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن، أُريه هذا القرآن وأقول: انظر! لا فرق بين قرآنهم وقرآننا.

قد لا نجد في بلدان أخرى عدداً من المجلات القرآنية المتخصصة كما هو في إيران. فهناك على الأقل أربع مجلات متخصصة في البحوث القرآنية تنشر في إيران وبمستوى علمي رصين. فهل قامت مجلات منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية بعمل إعلامي حول هذه المجلات في خارج إيران؟

على الرغم من وجود الكثير من الباحثين في حقل القرآن والمجلات المختلفة في إيران، فإن الانطباع السائد لدى بعض المفكرين في الخارج هو عدم وجود باحثين في العلوم القرآنية في إيران. فمثلاً لماذا لا تقوم مجلة «التوحيد» التي تصدرها منظمة الإعلام الإسلامي أو غيرها من المجلات التي تصدرها جهات أخرى باللغة الفرنسية والإنكليزية وغيرها، بتعريف المفكرين والباحثين في حقل القرآن في إيران، أو المجلات التي تصدر باللغة العربية والمخصصة للدول العربية، لماذا لا تقوم بالتعريف بهم؟ من الواضح أنه لأجل القيام بذلك لا بد أولاً من وجود حافز لدى مسؤولي هذه المؤسسات.

من هنا، أي حديث عن تصدير الأعمال الثقافية الإيرانية يعتمد على دراسة ثلاثة أمور:

المستوى العلمي للكتّاب الإيرانيين، وطبيعة النتاج الإيراني، وأخيراً الترجمة والإعلام. فبالنسبة إلى مستوى البحث، يبدو أنه على الرغم من نقاط الضعف لدى الباحث الإيراني والتي لا تزال موجودة وكذلك القلق الذي ينتابه من العمل خارج البلاد ـ وهو بنسبة أقل ـ فإن عمله يقترب من المواصفات العالمية، ويُمكن عرضه على مستوى عالمي. المسألة الثانية هي عرض هذا النتاج على الخبراء المختصين لتقويمه. فالمتخصصون هم الذين ينبغي لهم أن يحددوا الأعمال التي تتسم بالعلمية والقدر المطلوب من المتانة. وفي المرحلة الثالثة، على مؤسسات من قبيل منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية المبادرة إلى الترجمة والتغطية الإعلامية بالنسبة إلى بعض النتاجات الثقافية والتمهيد لتصديرها.

من ناحية أخرى، على مسؤولي معرض الكتاب التخطيط لتصدير الكتب الفارسية المهمة وتطوير العمليات الثلاث التي ذكرناها من خلال الاستعانة بالمتخصصين الماهرين.

ماذا عن إحصائيات المقالات القرآنية وكيف هي نسبها؟

لا توجد إحصائيات دقيقة عما كان قبل الثورة الإسلامية، إلا أن إحصائيات ما بعد الثورة تحكي عن ارتفاع بنسبة 50% في كل عام. في عام 1979 كان لدينا 13 مقالة علمية حول القرآن، إلا أنه في عام 1980 بلغ عددها 29 مقالة. هذا الرقم وصل في عام 1982 إلى 180 مقالة، وفي عام 1997 إلى 410.

هناك تصور لدى بعضهم أن إدخال مؤلفات بعض الكتّاب العرب والتي لا تنسجم مع تعاليمنا العامة، تلّوث الأجواء. وهذه النظرة تلمح في الحقيقة إلى أن الباحثين الإيرانيين في القرآن أضعف من الباحثين في الخارج، بحيث أنهم لا يستطيعون نقدها وسيتأثرون بها. لعل السبب من وراء الحيلولة دون دخول بعض المصادر إلى معرض طهران للكتاب هو هذه النظرة. ما هو رأيكم أنتم؟

برأيي أن الباحثين في القرآن والمفسرين ليسوا أضعف، والدليل على ذلك هو المؤلفات التي عرضت في إيران خلال هذه المدة. المسألة هنا هي أن بعضهم يقرر من منطلق الوصاية ومن دون خبرة ولا تخصص. ففي عالمنا الجديد، اتسعت الاتصالات بشكل كبير جداً، والمؤلفات المطبوعة في الخارج تصل إلى إيران على أي حال. إلا أنه إذا دخلت هذه المؤلفات عن طريق المعرض، فسيكون لها نتائج أفضل، لأنها ستقع بيد عدد أكبر من القرّاء، وسيجري دراستها ونقدها بنحو أفضل. من ناحية أخرى، الباحثون في القرآن في بلادنا والذين هم متخصصون بدورهم، لديهم القدرة على التمييز بين الحسن والسيئ وليسوا بحاجة إلى من يميّز لهم هذا عن ذاك. النتيجة الوحيدة من هذا العمل هي حرمان بعض الباحثين والكتاب من التطورات والأعمال الجارية في الخارج.

لا يخفي عليكم وجود اتجاهات ورؤى مختلفة في مجال القضايا والبحوث القرآنية. بعض هذه الرؤى تنبع من أصول مذهبية وأخرى من أوضاع العصر وظروفه. فهل ترون معرض طهران الدولي للكتاب قادراً على التأثير في مجال تقريب الرؤى والاتجاهات؟

باعتبار أن المعرض يقتضي حالة من وجود أغلب أو كل المؤلفات في مكان واحد، فهو يُوجد في أنفس الزائرين نوعاً من التعددية وتقبّل الرؤى المختلفة. فلو فرضنا غرفة واحدة من المعرض احتوت على مؤلفات من نصر حامد أبي زيد إلى مؤلفات من قبيل مفردات الراغب الإصفهاني وأخرى من مدرسة الخولي كالفن القصصي في القرآن لمحمد أحمد خلف الله والتفاسير السنية والشيعية، فالانعكاس الطبيعي لذلك هو تكوين انطباع يحكي عن تناول كل الفرق والمذاهب والاتجاهات للقرآن. ولذلك تحدث بطبيعة الحال استجابة لنوع من التعددية والتعايش السلمي والكف عن التناحر الأجوف، الأمر الذي يمهّد للتقارب الفكري.

طبعاً لا بد هنا من التنبيه إلى أمور. التقريب عملية ينبغي لها أن تقوم في كل الدول. فإذا كان معرض طهران الدولي للكتاب يُجيز لكتبهم الدخول ولا يُسمح للكتب الإيرانية بدخول المعارض في الخارج ـ في السعودية مثلاً ـ فعملية التقريب سوف لن تكتمل وسيكون التقريب من طرف واحد. بمعنى أنه ينبغي أن تجري بروتوكولات تعاون بين مسؤولي معرض طهران للكتاب ومعارض العالم العربي لكي تأخذ المعادلة شكلها المتوازن. أجل، إذا لم تحصل هذه المعادلة، فإن ثقافة أحد الطرفين ستهيمن على الأخرى.

العمل الآخر الذي يمكن أن يقوم به معرض الكتاب هو دعوة المفكرين والكتاب الإسلاميين لحضور المعرض. هذا العمل من شأنه المساعدة في تقريب الرؤى والأفكار.

من ناحية أخرى، المداولات والإجراءات والمشاريع الدبلوماسية المختلفة لتصدير النتاجات الثقافية الإيرانية ظلت في سبات على مدى سنوات. على أنه يمكن القول بوجود تحرك بهذا الصدد في السنوات الأخيرة. طبعاً ينبغي متابعة هذا الأمر بجدية.

إلا تعتقدون أن مجرد عرض الكتب لا يفي بعملية التقريب ولا بد من وجود نشاطات أخرى إلى جانبه؟

نعم، كل عمل ثقافي وفي أي حقل بحاجة إلى معالجة وتحليل. فالكتب القرآنية مثلاً هي نتاجات صامتة تفتقر إلى متحدث يجسّد محتوياتها. وهذا العمل يجري في المعارض عادة من خلال برامج ترافق المعرض، أي من خلال التجمعات والندوات. في معرض كتاب بيروت تتشكل جلسات متعددة في وسط المعرض أو في أطرافه على شكل مقهى تقوم بدور الإعلام عن الكتب ونقدها. وما ينبغي للمسؤولين في المعرض أو الأوقاف هو تناول الكتب القرآنية مع المتخصصين من ذوي الخبرة في جلسات عملية ومشوقة في عين الحال.

يبدو أن على معرض طهران التخطيط لمستويين عمومي وتخصصي، أي تكون له برامج خاصة بالمتخصصين في كل الفروع ومنها علوم القرآن. بل ويمكن إقامة معارض تخصصية صغيرة داخل معرض الكتاب الكبير في طهران يُدعى إليه المتخصصون في ذلك الحقل.

ما هي النتائج الإيجابية أو السلبية لمنع بعض الكتب القرآنية؟ بعضهم يشير إلى النتائج السلبية لهذا المنع ويعتقد أنه سيؤدي إلى حجز ثقافي للباحث الإيراني عن العالم الإسلامي.

لا يوجد لدي إطلاع كامل عن هذا المنع. وإنْ وجد شيء من هذا القبيل سواء في الموضوعات القرآنية أو في غيرها، فإنه ليس إجراءً غير نافع فحسب، بل وضاراً أيضاً. الواجب هو التحرك نحو التوسيع الإعلامي ورفع المستوى العلمي للمجتمع، ولا نخاف في هذا الصدد من الفكر المخالف. الفكر المخالف هو الذي يدعو إلى تضارب الآراء. الفكر المخالف هو الذي يشحذ العقول الناقدة. فمن جهة نصفّي غير الصحيح من أفكارنا، ومن جهة نقوم بنقد الأفكار الأخرى.

هناك دول في العالم الإسلامي، كماليزيا وأندنوسيا أو لبنان والإمارات، مجهزة بأحدث وسائل الإعلام. لديهم قنوات تلفزيون وراديو متعددة والأخبار الثقافية تصل إلى الجميع وبأسرع وقت.

من جهة أخرى، تضارب الآراء يدعو إلى التنامي والرقي، بل وينتهي إلى التفوق الثقافي. العزلة الثقافية كالعزلة السياسية تدعو إلى السبات والتخلف.

نشكركم على إتاحة هذه الفرصة لنا للحديث معكم. نأمل الاستماع إلى آراء أخرى لكم في مناسبات قادمة.