معارض الكتاب ومسيرة الدراسات الإسلامية

حوار مع حامد الخفاف

بمناسبة انعقاد الدورة الـ 19 لمعرض الكتاب الدولي في طهران ارتأى أعضاء هيئة التحرير في مجلة الكتب الإسلامية، وبعيداً عن سوق تجارة المنتجات الثقافية المحموم، فتح باب الحوار مع عدد من المختصين في شؤون الكتاب والبحوث في العالم، وذلك للتعرف على وجهات نظرهم،

ومن بين هؤلاء السيد حامد الخفاف الذي رحب بإجراء هذا الحوار، على الرغم من كثرة مشاغله.

السيد الخفاف من الناشرين العرب المعروفين في بيروت، ويعتبر من الكتّاب الذين تعتريهم رغبة شديدة في بعث التراث الإسلامي المطبوع. كان للسيد الخفاف حضوراً قوياً في دورات معرض الكتاب في طهران، وله أيضاً نشاطات عديدة في مجال نشر الكتب الإسلامية خلال مشاركاته في معارض الكتاب في الدول الإسلامية والغربية كذلك. في هذا اللقاء نركّز على تأثّر الدراسات الإسلامية وتأثيرها على معارض الكتاب المختلفة في العصر الحديث.

في البداية نرحب بكم في هذا اللقاء ونرجو إعطاء القراء الأعزاء نبذة عن حياتكم العلمية ونشاطاتكم الثقافية؟

أولاً أود أن أسجل شكري العميق للمسؤولين في بنك المعلومات الإسلامية على إصدارهم مجلة الكتب الإسلامية وكذلك على إتاحتهم هذه الفرصة.

بالنسبة لنشاطاتي العلمية، باختصار أقول: قبل 20 عاماً أي في عام 1981م عكفت على دراسة المصادر الإسلامية القديمة وتحقيقها وكانت لي تجارب في هذا المجال.

في البداية قمت، وبمعية عدد من الباحثين في مؤسسة آل البيت(ع) لإحياء التراث، بتحقيق الكتب المهمة نظير مستدرك الوسائل ووسائل الشيعة. وفي نفس المؤسسة المذكورة قمت بتشكيل فريق مهمته استخراج مصادر كتاب بحار الأنوار. وقد طبع منه 20 مجلداً حتى الآن. أما بعض أعمالي الشخصية فهي تحقيق الكتب التالية:

فتح الأبواب بين ذوي الألباب للسيد ابن طاووس، الليل والنهار لابن فارس، إعجاز سورة الكوثر للزمخشري، تسهيل السبيل للحجة في انتخاب كشف المحجة للسيد ابن طاووس وأخيراً كتاب قضاء حقوق المؤمنين للسوري. كما كانت لي مشاركات في بعض المجلات، وإقامة العديد من المؤتمرات، وكتابة العديد من المقالات. أتولى حالياً مسؤولية مكتب مؤسسة آل البيت(ع) في بيروت وذلك منذ إقامتي في لبنان، وقد التحقت بالجامعة اللبنانية لمواصلة الدراسة، وتخرجت منها في عام 1999م قسم التاريخ. حالياً أعكف على بعض الدراسات من جملتها تحقيق كتاب فقه اللغة للثعالبي.

تركزت نشاطاتكم العلمية على إحياء المصادر المرجعية، ما هي الصعوبات والضرورات التي جعلتكم تخطون في هذا الاتجاه؟

مسيرة إحياء التراث الإسلامي لا تعاني من خلل أو نقص فحسب بل أنها تشهد حالة فراغ عميقة انسحبت على بعض النشاطات العلمية. هذا الفراغ كان من العمق بحيث قام المستشرقون بملأه أوائل القرن الماضي، فهم أول من طرق باب التحقيق في النصوص الإسلامية. ويعتبر برگشتراس أول من قام بالقاء المحاضرات في جامعة القاهرة حول تحقيق النصوص الإسلامية والتي نشرت فيما بعد تحت عنوان نقد النصوص.

بعد ذلك تابع محققون كبار من أمثال عبدالسلام محمد هارون وصلاح الدين المنجد مسيرة إحياء المصادر القديمة، وشمّر علماء فطاحل عن ساعد الجدّ خصوصاً في العراق وإيران وحملوا مشعل النهضة العلمية.

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ومضيها قدماً، ظهرت مؤسسات كثيرة تصدت لمهمة تحقيق النصوص، وإحدى هذه المؤسسات مؤسسة آل البيت(ع) التي ساهمت جهود أفرادها من أمثال السيد عبدالعزيز الطباطبائي وكذلك افتتاح مكاتب لها في بيروت ودمشق وطهران وقم في إعطاء دفعة قوية للنهضة العلمية المذكورة.

ولا يفوتنا هنا أن نلقي باللائمة على بعض المحققين الذين لم يراعوا الأسس العلمية في تحقيقهم للكتب كما تشهد بذلك الساحة الثقافية.

كان هناك دائماً اتجاهان: إتجاه علمي منضبط، وآخر غير علمي وغير منهجي. وقد التزم كثير من الباحثين بالاتجاه الأول. فالمنهج العلمي المتبع في تحقيق المخطوطات تحكمه أصول وقواعد تدرس اليوم في جامعات العالم في مراحل الماجستير والدكتوراه، هذا في الوقت الذي يلج البعض ميدان التحقيق دون أن يتقيد بتلك القواعد.

في الأعوام الأخيرة أقدمت مراكز إحياء التراث العلمي على تنشئة جيل من المحققين استطاع أن يملأ الفراغ الموجود، ولكن مع ذلك لا تزال الحاجة قائمة إلى كوادر متخصصة في هذا المجال.

طبعاً يجب أن نسعى إلى نشر الخبرات المكتسبة في هذه المؤسسات، وهذا يتطلب نقل تلك الخبرات إلى الجامعات لنصل إلى التحقيق الأكاديمي والعلمي للنصوص الخطية في المؤسسات. يمكن لعملية إحياء التراث المكتوب أن ترقى إلى مرحلة الكمال وذلك عندما تخرج من مستوى المحاولات الشخصية وتكتسب حالة عامة وعلمية.

من خلال إجراء تحليل مقارن ما هي الفروق التي تلمسونها بالنسبة لنهضة إحياء التراث المكتوب عند الشيعة والسنة في العالم الإسلامي؟

سابقة التحقيق في مصر والدول الأخرى أقدم، فهم أخذوا أصول التحقيق المنهجي عن المستشرقين ونقلوها إلى الجامعات والأكاديميات العلمية والتحقيقية.

أما نحن فلم يكن لدينا جامعة بل عدد من المراكز الصغيرة مثل كلية الفقه في النجف الأشرف ,ولكن شهدت العقود الخمسة الأخيرة نشاطات متميزة لعدد من الشخصيات في مجال التحقيق من أمثال محمد تقي دانش ‏پژوه في إيران، السيد عبدالعزيز الطباطيائي في النجف وفي قم لاحقً، والسيد عبدالحسين الحسيني.

لقد انتشر هذا العلم على يد هؤلاء وأوصلوه إلى الجامعات كذلك، وبالنسبة للمحافل الشعبية فقد تسارعت خطى هذه النهضة في العقدين الأخيرين مستفيدة من التجارب السابقة، وتقلص حجم الاحتياجات إلى حد بعيد لدرجة يمكن معها القول إننا قلّصنا المسافة مع الآخرين. في العالم العربي توجد حالياً مؤسسات كثيرة تقوم بمهمة تحقيق المخطوطات، كما صدرت مجلات متخصصة مختلفة في هذا المجال، وقد أصبحت مسيرة التحقيق المنهجي والعلمي مقننة مهتدية بالمنهج البحثي لبعض الشخصيات من قبيل محمد أبو الفضل إبراهيم، عبدالسلام هارون، عبدالفتاح محمد الحلو، وإلى جانب كل ذلك هناك دوريات شغلها الشاغل وضع أعمال هؤلاء أمام عدسة النقد، وهو أمر نادر الحدوث عندنا مع الأسف، حيث يستعجل بعض محققينا نشر بعض الكتب من غير أن تكون له إحاطة كافية بأصول تحقيق المخطوطات، وبدون التسلح بالعلوم اللازمة أو التزام الدقة الكافية أو صرف الوقت اللازم لذلك. فلا تستحق هذه العملية إطلاق كلمة تحقيق عليها بل أنها مجرد نشر كتب لا أكثر.

وهل تعتقدون أن هذه الحالة تتجه نحو التحسن أم لا؟

بلا شك أنها تتحسن، فإذا أخذنا مثلاً أعمال مؤسسة آل البيت(ع)، وهي إلى سنوات قليلة كانت مؤسسة غير معروفة نلمس مدى التقدم الذي طرأ على عملية التحقيق من خلال نشرها أعمالاً حملت طابع التحقيق المنهجي والعلمي. وقد استغرق إنجاز بعض تلك الأعمال 10 أعوام من العمل الدؤوب في هذه المؤسسة. على سبيل المثال كتاب مجمع البيان، أنجزه المحققون في 12 عاماً، وقد انتشر هذا الأسلوب المنهجي والأصولي حتى صار تقليداً وسنة ألزمت الجميع باتباعها.

التطرق إلى هذه الموضوعات كان من باب التعرف على بعض جوانب البحوث الإسلامية واستقصاء آراءكم حولها. تعتزم مجلة الكتب الإسلامية تخصيص أحد أعدادها القادمة لموضوع إحياء التراث العلمي، وسيكون نصيب هذه الموضوعات من المناقشة أكبر. الأفضل أن نتابع موضوع معرض طهران للكتاب، ما هو رأيكم في التأثير الذي تركه المعرض المذكور في السنوات الأخيرة على مسيرة إحياء المتون القديمة؟ وستكون شاكرين لو عقدتم مقارنة لمستوى أداء هذا المعرض مع نظيره معرض القاهرة للكتاب.

ينفرد كل معرض في أي دولة بخصوصيات مميزة ولا يمكن عقد مقارنة بينها على جميع الأصعدة، يعتبر معرض القاهرة للكتاب أضخم معرض في العالم بعد معرض فرانكفورت، حيث يشارك فيه مئات الآلاف من الوطن العربي والعالم بشرقه وغربه. كما يحضره الناشرون العالميون لعرض نتاجاتهم، مما يجعله من هذه الناحية ثاني معرض للكتاب في العالم.

أما معرض طهران فهو محدود نوعما، ويبدو أن المهتمين بالمصادر في إيران يشكلون شريحة صغيرة، فالذين يبحثون عن المصادر العربية هم من طلاب العلوم الدينية والمدارس الدينية(الحوزات) والجامعيين في الفروع الإنسانية وخصوصاً فروع الأدب العربي وبعض العرب المقيمين في إيران. بالرغم من أن لغة أكثر المصادر الإسلامية هي العربية، وأن معظم الناشرين في العالم الإسلامي هم عرب، وكذلك بسبب كساد سوق الكتاب. كل هذه العوامل تقلل من رغبتهم في حضور المعرض، وهذه المسألة تضعف الاهتمام بعرض الكتب المرجعية وكذلك إحياء الكتب. وبالطبع فإن كل معرض يتأقلم مع الضرورات والمتطلبات الوطنية والإقليمية للبلد.

ظهرت دورات للكتب المرجعية (متعددة الأجزاء) في معرض القاهرة في تشكيلة كبيرة ومتنوعة، في حين انصب الاهتمام في معرض طهران على عرض الكتب الأعم وغير المرجعية، ما قولكم بهذا الخصوص؟

اعتقد أن الناشرين يتحركون وفق ما تمليه عليهم الضرورات المحلية، فمعرض طهران ومعارض أخرى كثيرة من التي تضم تحت أجنحتها مجموعة من الناشرين تمارس نشاط النشر ضمن دائرة المتطلبات الوطنية. طبعاً الوضع يختلف بالنسبة لمعرض القاهرة وذلك لسعته وكثرة الناشرين المشاركين فيه، ففي هذا المعرض يتم عرض جميع أنواع الكتب، من قبيل الكتب القديمة التي تم احياؤها، أو الكتب التحليلية الجديدة، بينما يشاع أحياناً عن معرض الكتاب في طهران أنه قلما يبدي اهتماماً بالكتب التحليلية الجديدة أو بعبارة أخرى تلك التي تبحث في التيارات الفكرية الحديثة للمسلمين في العالم، وكثيراً ما يعاني الزوار من هذه القضية.

تقوم الأجنحة العربية في معرض طهران غالباً بعرض الكتب التراثية لأنها تنطوي على متاعب أقل بالنسبة للناشرين. ولا يخفى أن لهذه الكتب سوقاً رائجة في إيران. ولما كان اهتمام أهل السنة بإحياء المصادر القديمة مبكراً وواسعاً، لذلك فإن قائمة كتبهم تستحوذ على السوق. فمسيرة التحقيق والنشر للتراث السني المكتوب عمرها نصف قرن، وكتاب برگشتراس ظهر في عام 1932م حيث تشكلت بعده ملامح علم تحقيق المخطوطات في العالم السني، في حين عرف العالم الشيعي هذا النشاط قبل عشرين عاماً فقط، أو ثلاثين عاماً على أحسن التقديرات، فكتاب شرائع الإسلام لعبدالحسين البقال كان أول تجربة تحقيقية علمية، حيث قدّم كأطروحة جامعية إلى كلية الفقه لنيل درجة الماجستير. وبهذا تكون الكلية المذكورة قد دشنت أولى التجارب في هذا المجال.

يتميز العالم السني على العالم الشيعي بالجامعات المتعددة الموجودة في البلدان السنية والمتخصصة في العلوم الإنسانية بكافة فروعها، والتي أخذت على عاتقها دفع عجلة إحياء التراث العلمي إلى الإمام وذلك من خلال الرسائل الجامعية التي تصدرها. فقد تم إحياء ونشر مئات الكتب بهذه الطريقة.

أما على الصعيد الشخصي، فإلى عقود قليلة ماضية لم تكن إدارة الجامعات في أيديهم(الشيعة) إلا اللهم بعض مراكز التعليم العالي الصغيرة أو بعض الكليات أو عدد من الكراسي في بعض الكليات. وبالرغم من ذلك، فقد انبرى في ذلك الوقت أساتذة من كلية الآداب أو الإلهيات في جامعة فردوسي في مدينة مشهد أو جامعة طهران لإحياء التراث، وقادوا طلابهم في هذا الاتجاه، حيث أسفرت جهودهم عن صدور عدد لا بأس به من الكتب. لكن هذه الجهود لم تشكل تياراً عريضاً، ومع ذلك فقد أخذت هذه الجهود تأخذ طابع الجدية والانتشار على الساحة الشيعية.

هل يمكن القول أن وفرة المصادر المرجعية في القاهرة كانت مشهودة، على العكس منها في معرض طهران؟ بتعبير آخر هل أن العناية بالمصادر المرجعية والاستفادة منها تأتي بالدرجة الثانية في سلّم اهتمامات الثقافة الإيرانية؟

إذا أمعنا النظر قليلاً نلمس الفارق بين الكتب المرجعية والمصادر حيث أن تاريخ المصادر أقدم من الكتب المرجعية، على سبيل المثال كتاب الآمالي للشيخ الصدوق أو كتاب الكافي للكليني هي مصادر، بينما يعد كتاب بحار الأنوار مرجعاً. فقد استعان المجلسي بكتابي الكافي والآمال وبقية المصادر في تأليفه لكتاب بحار الأنوار. ومن المؤكد أن الكتب المرجعية والمصادر الشيعية المطبوعة في لبنان أو سورية يتم عرضها في معرض طهران، من هنا فإن جميع الكتب الشيعية المهمة تكون موجودة في معرض طهران، وهو من هذه الناحية يعدّ أضخم معرض للكتاب الشيعي في العالم، طبعاً مع وجود بعض نقاط الضعف التي يجب أن نجدّ أكثر لرفعها.

كيف تقيّمون التعامل والتعاون بين الناشر والمؤلف في هذا المعرض؟ هناك عدة آراء في هذا المجال: رؤية قاتمة تصوّر الناشر في بعض الأحيان على أنه يبخس حقوق المؤلف، ورؤية أخرى تعتبر مهنتي التأليف والنشر مكملتان لبعضهما.

هذا سؤال مهم، إن كل مؤلف وباحث يعشق إنتاجه كأولاده، إنني ناشر وباحث في نفس الوقت، ومن الطبيعي أن أتفهم هموم الجانبين، فمن ناحية، يعتبر كل مؤلف كتابه الأفضل وله سوق رائجة، ومن ناحية أخرى، يمكن تصنيف الناشرين إلى ملتزمين وغير ملتزمين: فالمجموعة الأولى تحترم حقوق المؤلف، والمجموعة الثانية لا تعير هذه المسألة أهمية، وبالتالي تفرّط في حقوقه.

ويعتبر المعرض ظرفاً مناسباً لتنظيم العلاقة بين هاتين الشريحتين، حيث يتعرّفان على بعضهما في هذا الجو بشكل أفضل، ويقفان على طبيعة الظروف والمتطلبات على أرض الواقع. وقد أثبتت التجارب أن خلق العلاقة المثلى يتأتى من إبرام أحد الأشكال الثلاثة التالية من العقود.

أولاً: دفع نسبة مئوية تتناسب مع الكمية المطبوعة من الكتاب في كل عام.

ثانياً: شراء امتياز الكتاب من قبل الناشر.

ثالثاً: دفع مبلغ معين بإزاء كل طبعة، هذا وقد ثبت عملياً أن الشكلين الثاني والثالث من العقود ينطويان على متاعب أقل نسبياً.

من جانبي لا أشجع المؤلف على نشر مؤلفاته بنفسه، لأنها مهنة تخصصية، وعليه أن يصبّ اهتماماته على قضاياه الخاصة.

في العالم الإسلامي وعلى الأخص الشيعي لم تأخذ عملية التبادل بين الناشر والمؤلف بعد إطاراً منظماً، ونلحظ وجود جدار من عدم الثقة يفصل بينهما، في حين تتطلب عملية النهوض بالبحوث الإسلامية رصيداً من التعاون والتعاضد بين الشريحيتين. كيف يمكن الاستفادة من المعرض للخروج بحلول تنظم هذه العلاقة؟

بصراحة يعاني هذا الجانب من معضلات حقيقية لا يمكن معها الارتقاء بمستوى العلاقة بين الجانبين. هناك معضلة رئيسية تتعلق بقانون حقوق التأليف، من ناحية نجد معظم دول العالم قد انضوت تحت لواء هذا القانون لما يشكل من حماية لمنتجي الآثار الفكرية والعملية، بينما تفتقر الشريعة الإسلامية والفقه الشيعي إلى أحكام وفتاوى قاطعة وشاملة في هذا الصدد. ومن خلال استقصائي توصلت إلى أن أغلب المرجعيات الدينية تعارض قانون حق التأليف، أو أنها لم تصدر فتاوى صريحة بشأنه، أو تفتي بعدم جواز حقوق النشر للمؤلف والناشر. وفي الواقع ايجاد حل لهذه القضية أمر صعب للغاية.

ويقال أن لمنظمة المؤتمر الإسلامي قرارات تتعلق بحقوق النشر، وباعتقادي أن بمقدور هذه المنظمة أن تخطو خطوات هامة في هذا الاتجاه من خلال تنظيم القوانين الخاصة بحقوق الناشرين والمؤلفين، علي سبيل المثال إنني كناشر أقوم بعرض إصداراتي في المعرض لا أضمن من أن هذه الإصدارات لن تسنسخ بعد عدة أشهر في إيران، وتنشر بدون رادع قانوني يؤمّن حقوقي. في الواقع إن الفراغ القانوني الذي تعانيه مسألة حقوق النشر هو مرض خطير يحدّ من ازدهار عملية النشر، وبالتالي يبني سداً بوجه ارتقاء الثقافة.

فالمؤلف الذي يبذل جهداً ومالاً من أجل إعداد كتابه، والناشر الذي يتحمّل تكاليف الطبع والنشر الباهضة، كلاهما يساورهما القلق من تعرّض إنتاجهما الأدبي إلى سرقة من نوع مهذّب، فمثلاً لماذا يسمح الآخرون بسرقة الجهود التي بذلها بنك المعلومات الإسلامية في إعداده لقرص مدمج أو كتاب ما مع كل ما تتكلفه العملية المذكورة من مبالغ كبيرة.

يمكن للحقوقيين على الأقل، من باب العسر والحرج أو الأحكام الفرعية، تحمّل مسؤولياتهم وتنظيم قوانين في هذا المضمار. اقترح على بنك المعلومات الإسلامية تنظيم مؤتمر لبحث هذا الموضوع تكون مهمته اجراء دراسات مقارنة لموضوع حقوق النشر للناشر والمؤلف في الشريعة والقوانين الحديثة.

يبدو أن هناك مسألتين هما: عدم وجود قوانين في الدول الإسلامية وعدم وجود فتوى أو فتاوى متعارضة في هذا الصدد، ماذا تقولون عن المشكلة الأولى؟

تقوم معظم البلدان الإسلامية بحماية قانون حق التأليف وتطبيقه مثل لبنان والإمارات العربية ومصر. وفي هذا المجال تتمتع مصر بنظام حقوقي منسجم ودقيق ينظم العلاقة بين المؤلف والناشر، وقد حدث في بعض حالات الدفاع عن حقوق المؤلف أن تعرض الناشر للسجن. قبل سنوات قمت بتحقيق ونشر أحد الكتب وبعد فترة قام أحد المؤلفين بطبع نفس الكتاب باسمه.

كيف تعاملت المرجعيات الدينية في باقي الأقطار الإسلامية مع الجانب الشرعي لمسألة حقوق النشر؟

بلا شك تستند المرجعيات الدينية إلى قواعد وأصول خاصة بالاستنباط في إصدارها للفتاوى. والأمر المهم هنا هو أن يعمل المختصين بالأمور الثقافية على وضع بعض البيانات التخصصية والموضوعية تحت تصرف تلك المرجعيات. ولقد حدثت هذه الأمور مبكراً عند العلماء السنة، وصدرت الأحكام الشرعية بالاستناد إلى العناوين الثانوية والمصالح العمومية والمقاصد الشرعية وحماية النظام الاجتماعي والمدني. وبالنسبة لبعض البلدان الإسلامية الأخرى فقد حسمت القوانين الحكومية الأمر، ولم تعر اهتماماً لمسألة التقيد باستنباط القوانين في هذا المجال.

ماذا تقترحون في حال تعارض أحكام المرجعيات الدينية مع قوانين حقوق النشر؟

في الحقيقة البتّ في هذه المسألة أمر عسير. ولكن مع هذا فإن آلية إصدار القوانين المطبقة في الجمهورية الإسلامية تبدو مناسبة أيضاً في هذا المجال.

فبعد أن يصدر مجلس الشورى الإسلامي الإيراني قانوناً يرفع إلى مجلس صيانة الدستور للمصادقة عليه وفي حال بروز خلاف بين المؤسستين المذكورتين يرفع إلى المجلس الأعلى للفصل في القوانين للبتّ في القانون المذكور، مع الأخذ بعين الاعتبار الأحكام الشرعية ومصالح البلاد العليا.

ويظهر أن مجلس الشورى الإسلامي لم يتحرك بعد لسنّ قانون في هذا الاتجاه، ويمكن لأعضاء المجلس المذكور الحصول على بيانات هامة وخبرات عملية مساعدة وذلك عن طريق المسؤولين في معرض طهران الكتاب وكذلك الناشرين المحليين والأجانب المشاركين فيه.

ما هو تقييمكم للتأثيرات المباشرة والحيوية لمعرض الكتاب على مسيرة ارتقاء التحقيقات الإسلامية؟

أولاً وقبل كل شيء يوفر معرض طهران والمعارض المشابهة للقراء الكتب والمصادر الحديثة التي يحتاجونها، وثانياً تعتبر المعارض مكاناً للقاء وتلاقح الأفكار بين المؤلفين والناشرين والزبائن. وأنا شخصياً أشارك على الدوام في المعارض على الرغم من أنها أحياناً لا تدر عليّ منافع مادية ولكنها بالتأكيد تضيف الكثير إلى رصيدي الفكري. هذه اللقاءات تحمل في ثناياها رسائل ثقافية محددة.

ثالثاً، يعتبر المعرض تظاهرة ثقافية تتخلله الكثير من الندوات والمحادثات والخطب، ويتم خلاله اكتساب الخبرات والإنجازات، ويشهد مبادلات ثقافية عديدة.

وباختصار يعتبر المعرض بوابة الحضارة والثقافة وسفير التقدم والتنمية لكل قطر.

إذا نظرنا إلى المعارض من زاوية أخرى وجدناها تؤثر على ازدهار سوق الكتاب وحركة المطالعة. فهي قاعدة لتسويق الكتاب وسوقاً للتعامل به. فازدهار سوق التأليف والنشر ونشر الثقافة يعتمد في جزء كبير منه على تصدير الكتاب. وللأسف ذكرت التقارير أن الولايات المتحدة تأتي على رأس قائمة المنتجين والمصدرين العالميين للكتب بما فيها الكتب الإسلامية، وتحتل استراليا المركز الثاني، أما تركيا والسعودية وإيران فيحتلون على التوالي المراكز الـ 26 و29 و52. ما هي اقتراحاتكم للمسؤولين الثقافيين لتحسين هذه الأمور؟

أنا أشك في صحة هذه الأرقام ولكن إذا كانت صحيحة فهو أمر مؤسف جداً، هناك نهضة ثقافية واسعة ومتنامية في إيران، وكل عام تنجب الساحة الثقافية مراكز ومؤسسات جديدة تعنى بانتاج الكتاب. ويبدو أن حركة النشر في إيران متألقة كما هو واضح في هذا المعرض، ولكن فيما يتعلق بتصدير الكتاب فأنه يتوجب اتخاذ التدابير التي تساعد على تصدير المنتجات الثقافية الإيرانية إلى الخارج أكثر من أي وقت مضى، كما يتحتم على المؤلفين والناشرين الإيرانيين إجراء دراسات عن متطلبات الدول الإسلامية الأخرى، ومحاولة مدّ الجسور معها. إني أطالب المسؤولين بإيلاء الأهمية للنوع لا لعدد العناوين. في اليابان هناك مجاميع متخصصة في وزارة الثقافة في مختلف الفروع مهمتها تقسيم محتوى الكتاب ودرجته العلمية قبل إرساله إلى المطبعة، فالكتاب الذي لا يحتوي على فكرة جديدة أو بحثاً جديداً لا يسمح بطبعه، لذا يجب على المؤلفين والناشرين في إيران أن يتبعوا نفس الأسلوب حتى يمكن للمنتجات الثقافية أن تشق طريقها إلى الأسواق العالمية.

ما هي العوامل التي ترتقي بالمؤلفات المطبوعة؟ يعتقد البعض أن هذا الارتقاء يعتمد على المؤلفين المطلعين على الأجواء الفكرية الجديدة في العالم والذين خبروا المتطلبات الثقافية خارج إيران. وكأن لسان حالهم يقول أنه وبسبب الحواجز التي تفصل إيران عن بقية البلدان الإسلامية والغربية والتي من جملتها عامل اللغة، فإن جعبة المفكرين الإيرانيين خلوّ من الإبداع، وبالتالي لا تصلح معظم نتاجاتهم للتصدير، فما رأيكم؟

هذا ليس صحيحاً، أولاً لقد ربطت الشبكة العالمية (الإنترنيت) في جميع المدن الإيرانية المواطنين بالعالم الخارجي، هذا في الوقت الذي لا تزال بعض الدول الإسلامية محرومة حتى الآن من الإنترنيت، أو أن المستخدمين لها يواجهون معوقات عملية كثيرة، ثانياً إن الصحافة الإيرانية الحرة تتيح معلومات وافرة للشعب، وهو أمر نادر في الشرق الأوسط، ثالثاً أن الأسواق الإيرانية مفتوحة أمام تدفق الكتب لسد حاجة المهتمين. من ناحية أخرى هناك قائمة من المراكزالثقافية الإيرانية الفعالة التي لها علاقات مع الخارج تشترك في معارض القاهرة وفرانكفورت وبيروت ودمشق، وتساهم في تقوية التواصل الثقافي بين إيران والعالم الخارجي، على أي حال، لا يعاني الجو الثقافي هنا من الانغلاق والانجماد.

برأيكم ما هي الخطوات التمهيدية والأساليب التي يتوجب على معرض طهران اتخاذها لتطوير نوعية الكتب المعروضة في السنوات المقبلة بشكل مرض، وبالتالي كسب أكبر عدد من الزبائن العالميين؟

يستطيع معرض طهران أن يضطلع بدور أكبر على صعيد تطوير تقنية إنتاج الكتب في العالم العربي والإسلامي وإيران، فيقوم مثلاً بتوسيع البحوث النظرية ذات الصلة بالتأليف والنشر كماً ونوعاً وترشيد الطرق العملية. على سبيل المثال يستطيع القائمون على المعرض تنظيم جلسات عمل ومناقشة بين الناشرين الإيرانيين وجمعيات دور النشر في الدول المختلفة. علاوة على تبادل وجهات النظر والخبرات، يمكن أن تسفر هذه الاجتماعات عن الاتفاق على التعاون المتبادل على الصعيد الدولي، حيث يمكنهم القيام بعمليات مشتركة في مجال نشر الكتب، مثلاً يقوم الناشر الإيراني بطبع كتاب معين، في حين يقوم الناشر اللبناني بتوزيعه في البلاد العربية، أو يقوم ناشر معين بترجمة كتاب ما، بينما ناشر آخر بطبعه، يمكن للناشرين العرب طبع ونشر الكتب الإيرانية.

يمكن أن ينطوي اقتراحكم هذا على نتائج إيجابية في حال وجود تقارب ثقافي في وجهات النظر، ولكن واقع الحال يقول بأن الدراسات التحليلية الصادرة في البلدان الإسلامية والتي قد تحمل أفكاراً منشقة وتتمتع بالنجومية في المحافل الثقافية في فترة معينة، يحال دون عرضها في معرض طهران، مما يعني انتفاء حدوث مثل هذا التقارب؟

أعتقد أن معرض طهران يستوعب معظم الكتب التي تصدر في الخارج، ووضع العلاقات حالياً طيب، قد لا تجد جميع الكتب طريقها إلى المعرض، ولكن في نفس الوقت توجد قنوات أخرى لورودها. ومن هنا، لا توجد عقبات أمام التقارب الثقافي في إيران والاطلاع على آراء الآخرين. فمؤلفات محمد شحرور ومحمد عابد الجابري وصادق جليل العظم ونصر حامد أبو زيد وخليل عبدالكريم قمني ومحمد أركون، والتي تختلف توجهاتها بعض الشيء عن مؤلفات باقي المؤلفين، موجودة في إيران، وقد وردت معظمها عن طريق المعرض. بشكل عام لا اعتقد أن المفكر الإيراني بعيد عن المسيرة الفكرية في البلدان الإسلامية.

أيهما أهم برأيكم الجانب الثقافي للمعرض أم الجانب التجاري؟ وهل أن حضور الناشرين هو بدافع نشر الثقافة والفكر أم أن اهتمامهم ينصب في زيادة معدل الأرباح؟

في الحقيقة لا يمكن الفصل بين هذين البعدين، فهناك الزبائن من الشريحة المثقفة وأصحاب الأقلام الذين يأتون للشراء والاستفادة الفكرية فحسب، وهناك الزبائن الذين يخوضون في تجارة الكتب.

بالرغم من أن جلّ اهتمام الناشرين ينصرف إلى الهواجس الاقتصادية، لكنهم أيضاً يحملون دوافع وأهدافاً ثقافية وفكرية، والدليل على ذلك أن الاستثمار في الميادين غير الثقافية يدرّ أرباحاً أكبر، بمعنى آخر أن لا تعارض بين هذين الاتجاهين فهما يسيران في خطين متوازيين.

طبعاً يجب أن نقلل من الإفرازات السلبية للتجارة والاسترباح، وفي المقابل نقوم بتوسيع الجوانب الإيجابية للإصدارات الثقافية وتفعيلها.

شهدت دورة المعرض لهذا العام حضوراً أكبر للمفكرين والشخصيات الثقافية من قبيل عادل المعلم ومحمد العاصي والسيد رئيس جمعية الكتاب الفرنسيين وبعض المسؤولين العلميين في معرض فرانكفورت، كما عقدت ندوات علمية وثقافية كثيرة، وهذه المؤشرات هي شواهد على الخطوات الإيجابية للمعرض، وكذلك وجهته الصحيحة. والسؤال هو كيف يمكننا استقطاب أكبر عدد من الكتّاب والمفكرين الشيعة إلى هذا المعرض، وحضور ندواته، والمساهمة في رفع وتيرة البحوث الشيعية وذلك عن طريق تبادل الأفكار والخبرات؟

يجب ان يتضمن معرض الكتاب برامج عديدة ومختلفة من أجل استفادة أكبر للمشاركين، ولكن بدون تحميلها لوناً دينياً معيناً، لأنها تضر بالعملية الثقافية، فالناشر الشيعي يجب أن ينصهر في حركة النشر العالمية، وأي محاولة لفصله عن هذه الحركة سيلحق ضرراً ببلدان أخرى. إن عملية عزل الناشر الشيعي في إيران ومنحه امتيازات خاصة ،هي في الحقيقة إجحاف بحقه، لأننا بهذا العمل نقوم باقتطاعه من جسد الحركة العالمية للنشر، كما أن مسائل الطباعة والنشر وحتى بعض القضايا الإنسانية تحمل سمات مشتركة ولا تعترف بلون ديني معين.

تشير بعض الإحصاءات غير الرسمية التي نشرت في إيران بأن سبب حضور 80% من الزائرين لمعرض طهران هو النزهة والترفيه، في حين تبلغ نسبة الذين يحضرون لأغراض ثقافية 15% فقط، ألا تشكل هذه الحالة نقطة ضعف في مسيرة البحوث الإسلامية؟

حتى وإن صحّت هذه الأرقام فلا ضير من ذلك، فمجيء هذا العدد لأجل النزهة والترفيه يمكن أن يكون وسيلة مناسبة أيضاً لإطلاعهم على مظاهر الثقافة والحضارة والعلم، فهذه تختلف عن نزهة الحدائق العامة والتمتع بمظاهر الطبيعة. فالإطلاع على المشاهد الثقافية يترك تأثيرات باطنية على الزائر، وهو أمر طيب ومفيد، طبعاً الحالة المثالية هي في الاستفادة القصوى من هذه التظاهرة الكبيرة.

طبقاً للإحصاءات الرسمية فإن عدد الذين يؤمّون معرض القاهرة وفرانكفورت لأجل الترفيه قليل جداً، بالنسبة لمعرض فرانكفورت يمثل هؤلاء 5% فقط، ومعظم الزائرين يقصدون هذا المعرض لأغراض التجارة أو سدّ احتياجاتهم الثقافية، فما هي برأيكم الخطوات الضرورية التي يمكن أن تجعل من معرض طهران منتدى ثقافياً كبيراً يحتوي على كل محفزات المطالعة وشراء الكتب. في الواقع لدي معلومات عن نسبة القراء في إيران والغرب ومصر أيضاً، هل ترون أنه من خلال تهيئة لوازم الترفيه يمكن دفع الجمهور باتجاه المطالعة والكتاب وتعويدهم على ذلك تدريجياً؟

هناك عدة عوامل تقف وراء رفع نسبة المهتمين بالكتاب والدوريات، وكذلك معدل النسخ المطبوعة وبالتالي ازدياد معدل القراء. أنا اعتقد أن لمعرض طهران دور كبير في هذه الزيادة. المهم هو أن نطور من محفزات المعرض باتجاه زيادة هذه الأرقام وذلك من خلال الدراسات الشاملة والموسعة.

لكل معرض كتاب عالمي قالب خاص به، فمعرض القاهرة مثلاً يعتبر سوقاً حرة لا تحكمه أي قواعد معينة، حيث يقوم كل كاتب أو ناشر بعرض نتاجاته الخاصة، أما معرض فرانكفورت فيحمل طابع المشاورات التجارية، فهو يعدّ مركزاً عظيماً للتبادل التجاري وعقد الصفقات يتحول كل جناح فيه إلى غرفة عمل للناشر. أما معرض طهران فيحكمه هو الآخر نظام معين، فهو يعتبر سوقاً لبيع الكتب من قبل الناشرين على الزبائن الإيرانيين. أما صفقات الشراء فهي محدودة، وكذلك هي الصفقات التجارية بين الناشرين. نريد أن نتعرف هنا على النظام الأمثل لنا من وجهة نظركم، والذي يقوم على تفعيل عملية ارتقاء البحوث الإسلامية؟

كما أشرت سابقاً، لكل بلد متطلباته الخاصة به، ولا يمكن تطبيق نظام موحد لجميع البلدان، هناك بعض التجارب الإيجابية التي يجب أن تقتبس وتطبق، على سبيل المثال نظم معرض القاهرة في دورة هذا العام أمسية شعرية للشعراء الكبار، وأمسية أخرى للمفكرين، كما خصص مكاناً لتقديم العروض الشيقة باسم (سوق عكاظ). وكذلك شهدت كل زاوية من زوايا المعرض برامج ثقافية متنوعة لجميع المستويات والطبقات. أما معرض طهران فهو يفتقر إلى البرامج الشعرية والخطابية والموسيقية والقصصية والعروض الفنية والآثار التاريخية والمسرح والرسم والأعمال اليدوية وغير ذلك.

لكن مع هذا يجب الاعتراف بأن لمعرض طهران نظام أدق، فأجهزة الكومبيوتر تغطي مختلف أنشطة المعرض بشكل أفضل مما هو عليه في معرض القاهرة.

إن القائمين على معرض طهران يعون جيداً نقاط الضعف والقوة التي تتخلل المعرض، وأعتقد أنه من المناسب تجهيز صالة تكون بمثابة سوقاً حرة للكتاب، يقوم خلالها الناشرون الأجانب بعرض كتبهم خارج إطار القوانين الحالية المقيدة، وحتى يتمكن الزبائن كذلك من شرائها بسهولة ويسر.

هناك سؤال يطرح نفسه فيما يخص دور معارض الكتاب في تبادل تقنية البحوث وأساليب التحقيق الحديثة. إلى أي مدى ساهمت معارض طهران والقاهرة وشيكاغو وفرانكفورت ومعارض العالم الإسلامي في اقتباس أساليب البحث والتحقيق الحديثة من الغرب، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كيف تقيّمون نشاطها في عملية تبادل تقنية البحوث بين الأقطار الإسلامية؟

تستحوذ أساليب البحث الحديثة لدى المستشرقين على اهتمامنا، طبعاً لا نقصد بهذا أنها ملزمة وخالية من نقاط الضعف، بل المقصود أن هذه الأساليب أظهرت فاعلية وكفاءة في هذا المجال. وبالتأكيد إذا أردنا الاستفادة من تلك التجارب والأساليب يتوجب علينا إعطاؤها صبغة وطنية، أي إعادة صياغتها على أساس من المبادئ والقوانين والتقاليد الثقافية المحلية. لقد قامت مراكز البحوث بابتكار الأساليب والتجارب الخاصة بها، على سبيل المثال إحدى ابتكارات مؤسسة آل البيت(ع) هي الاستفادة من الأسلوب الجماعي في التحقيق، وذلك بإيكال مهمة تحقيق كتاب معين إلى عدة أشخاص. وكان من نتائج هذا الأسلوب الاختصار في الوقت والارتقاء بمستوى الدقة العلمية وسرعة إنجاز العمل. لقد اكتسبنا خبرات قيمة من صلاح الدين المنجد وعبدالسلام هارون، واضعين بذلك اللبنات الأساسية في أسلوب التحقيق الجماعي.

ويعتبر معرض طهران مكاناً مناسباً للتعاطي مع الخبرات الجديدة في مجالات التحقيق المختلفة. وهو يعدّ ميداناً لاختبار الأساليب المختلفة ومدى المقبولية التي تحظى بها، وفاعليتها من وجهة نظر الناشرين والكتاب والزبائن. وعلى المسؤولين أن يهيئوا الأجواء المناسبة لحوار بنّاء.

تساور البعض أفكاراً بأن الجيل القديم من الباحثين من أمثال إبراهيم مدكور من مصر وحسن أمين من لبنان وعباس زرياب خوئي ومحمد تقي دانش پژوه من إيران والسيد عزيز الدين الطباطبائي من قم وجواد علي من العراق كان يتحلى بالعمق والمثابرة، أما الجيل الجديد فيغلب عليه الحماس الفاتر والسطحية، ما مدى صحة هذا التقييم من وجهة نظركم؟

أنا أيضاً أمثل الجيل الجديد وأرفض نعت الباحثين الجدد بالسطحية، لقد قدّم هذا الجيل أعمالاً جيدة في العقدين الأخيرين، المعيار هو مستوى الاتقان في العمل. أعتقد أن الظروف والأوضاع التي يعيشها الجيل الجديد متباينة كلياً. فقد ظهرت وسائل حديثة في خدمة التحقيق مثل الكمبيوتر، في الماضي كان العثور على معلومة معينة يتطلب البحث في كتاب الذريعة بأكمله، أما اليوم فالكمبيوتر يقوم بهذه المهمة خلال دقائق، ومن هنا كان باحثوا الأمس يعملون بمثابرة وجدية، أما اليوم فلا تحتاج هذه الميادين لمثل تلك المثابرة، كما هو الحال مع مكننة الصناعة في العصر الحاضر، حيث تؤدي المكائن الأعمال التي كانت تعدّ في الماضي شاقة بكل سهولة وسرعة.

يتحتم على الباحثين اليوم توخي المثابرة والدقة والعمق في سبيل تطوير الأساليب، أي الارتقاء بمستوى البحوث يوماً بعد آخر، فالموقف لا يتطلب حفظ الموضوعات لأن جهاز الكمبيوتر يقوم بهذه المهمة على أكمل بالنيابة عنه، بل عليه الاستفادة القصوى من البيانات والمعلومات المتوفرة.

هل تقولون بوجود فوارق بين بحوث إحياء التراث وأساليب التحليل الحديثة؟ بعبارة أخرى يشهد الجيل الجديد دخول الحداثة إلى العالم الإسلامي، وهذا الأمر يحتم عليه دراسة الجوانب المختلفة لعواقب عصر تحديث البلاد. ولقد كان لرضوان السيد مثلاً نشاط في هذا المجال. ففي إحدى كفتي الميزان مثابرة وعمق الجيل القديم، وفي الكفة الأخرى فعاليات الجيل الجديد.

لا أظن أن جميع الباحثين المعاصرين قد طرقوا أبواباً وموضوعات جديدة. في كل عصر كانت الحاجة دائماً ولا تزال قائمة إلى شريحتي المفكرين والكتّاب، فالشريحة الأولى تضطلع بمهمة تحقيق الكتب القديمة وإحياؤها، والشريحة الثانية تقوم بالاستجابة للمتطلبات الفكرية المستجدة، منطلقين من المفاهيم الموجودة في المصادر الثقافية القديمة. وكلا الشريحتين تؤديان مهمتين منفصلتين ومحددتين. لا يمكن القول أننا لسنا بحاجة إلى إحياء التراث العلمي، وفي نفس الوقت لا يمكن الادعاء أن مهمة أسلافنا كانت تنحصر في إحياء كتب أسلافهم. فقد سارت العمليتان جنباً إلى جنب، ولا تزالان بشكل فعال.

يمكن تقسيم عملية البحث الإسلامي إلى الإحياء والتدوين التحليلي والعمل الصحفي، فأي هذه الاختصاصات برأيكم تقدمت على أقرانها من حيث النوع والحجم؟

لا يمكن الحكم في هذا المجال بسبب عدم وجود إحصاءات دقيقة. ولكن يمكن القول عموماً أن عملية إحياء النصوص شهدت نمواً ملحوظاً في جميع الدول الإسلامية، فقد أخذت العديد من المصادر القديمة طريقها إلى التحقيق والطبع، ولا يعاني هذا الحقل من نقص جدي. وفي مجال البحوث التحليلية أيضاً خطت البلدان الإسلامية خطوات واسعة على طريق التطور الثقافي والاقتصادي والسياسي وتوسعت المكتبات والإمكانات الأخرى. ومن ناحيتها شهدت المتطلبات الثقافية توسعاً أيضاً، فقد نشرت تحقيقات مهمة تتناسب مع الاحتياجات الوطنية، وظهرت نزعة تحليلية قوية بين أوساط الكتّاب والمفكرين تجاه القضايا الفكرية، ويؤمّل بلوغ التكامل والتطور المطلوب في هذا المجال وذلك عن طريق تخريج جيل من المنظّرين في فروع العلوم الإسلامية المختلفة.

أما الكتابة الصحفية فلها عالم آخر، وهناك فارق أساسي يميز شريحة الصحفيين عن الشريحتين السابقتين، فالصحفي يرصد الأحداث التاريخية اليومية، أي أن اهتمامه ينصب على القضايا العابرة. إحدى المهام التي يقوم بها المعرض هي اطلاع أرباب العلم والثقافة على دور هذه الفروع البحثية الثلاثة وما يتفرع عنها كل على انفراد بلغة الأرقام وتبيان مواطن القوة والضعف.

كيف هي العلاقة بين الشرائح الثلاث آنفة الذكر أو بين معظم الباحثين، وكيف يجب أن تكون؟

لا فضل لأي من الشرائح الثلاث على بعضها البعض، بل عليها التنسيق فيما بينها، فالعمل الصحفي يمكن أن يزود الباحثين المحللين بمادة تحفيقية دسمة، وأن يشرعوا بالدراسة مستندين إلى النصوص التحقيقية، وتقوم الصحافة من ناحيتها بإداء واجبها الإعلامي تجاه المجتمع من خلال نشر أخبار المؤلف في الصحف والمجلات، وبالنسبة للإحيائيين يمكن لهم أن يطوروا مناهجهم وأعمالهم عن طريق الاطلاع على ما يكتب من نقد في المجلات. وهكذا فهم يكملون بعضهم البعض، ولكي يكون لهذه الشرائح مجتمعة تأثير وفاعلية يتحتم أن يسود التفاهم بينها، كما يعتبر المعرض مناسبة لتنظيم هذا التفاهم والتضامن.

هناك مثل قديم يقول بأن المصريين يؤلفون واللبنانيين يطبعون والعراقيين يقرأون، هل لا يزال هذا الوضع قائماً؟

في العقد أو العقود الأخيرة اهتزت هذه المعادلة، حيث طرأت تغييرات على النظام العالمي والظروف الإقليمية والمحلية، بالإضافة إلى أن النظم العلمية والتحقيقية والإعلامية لبست ثوب الحداثة، وهي تمسك بوسائل حديثة. ففي الوقت الحاضر أمسك المصريون وغيرهم بقلم التأليف ويقوم لبنان والقاهرة وإيران أيضاً بالطباعة، كما أن سوريا قد حققت أخيراً تقدماً في صناعة النشر والطباعة، مفتتحة سوق الطباعة الحرة، في حين أن العراق معطل حالياً عن القراءة والطباعة، حيث لم يدخل الكتاب إليه منذ أكثر من عقد من الزمن وذلك بسبب طوق الحصار المحكم، والنتيجة أن في الماضي كانت هناك معادلات تجارية وثقافية، أما اليوم فقد حلت محلها معادلات أخرى مغايرة، لذا يجب فهم المعادلات الجديدة هذه، ومن ثم تكييفها. والقيام بهذه الدراسات هي من اختصاص معرض الكتاب.

نشكر لكم إتاحتكم هذه الفرصة لمجلة الكتب الإسلامية، نأمل أن نحظى بلقاء آخر معكم في مقركم في بيروت وذلك أثناء انعقاد معرض بيروت للكتاب للتحدث في موضوع آخر.

ا