مقدمة
ألقى استشهاد الحسين بن علي(ع) في عام 61هـ/680م ضوءاً على حنايا التاريخ الإنساني ليميز الخبيث من الطيب. عاشوراء تجسيد حي وعملي للإسلام الأصيل، وواقعة الطف هي التفاتة نحو الفضيلة والعدالة والسعادة، ومن ناحية أخرى كانت براءة من الرذائل الأخلاقية والظلم والشقاوة النافذة إلى المجتمع.
كانت كربلاء سفينة النجاة المبحرة نحو شاطئ الإيمان والحرية ومشعل الهداية إلى السعادة والإنسانية. لهذه الخصائص كانت الأفئدة تهفو لهذا المشعل في كل مكان وحين، وقد تملك هذا العشق الحسيني النفوس.
هناك رؤيتان عن الإمام الحسين(ع): رؤية العامة ورؤية المفكرين والكتّاب.
أما العامة فيشدّهم إلى الإمام الحسين حب عظيم وذلك لكونه سبط الرسول الكريم(ص)، ويضيف الشيعة إلى هذه القرابة سبب عقائدي وهو إيمانهم بأنه (ع) إمام معصوم. إن الحب الذي يكنه عامة الناس للحسين بن علي(ع) نابع من أحاسيس قلبية جياشة خالصة.
وبالنسبة للمفكرين فبالإضافة إلى الخصائص العقائدية والعاطفية فهم يتعاطون مع واقعة عاشوراء من منطلق علمي.
ظهرت الكتابات الأولى حول عاشوراء في قالب المقاتل وبأسلوب التدوين التاريخي، وقد اقتصرت بشكل رئيسي على نقل صورة عن وقائع الطف وقلما حلّلت ذلك الحدث الجلل.
في القرنين الأخيرين طرأت تطورات كبيرة على مسيرة البحوث العاشورائية، فقد أعيد تحقيق ونشر الكثير من المصادر القديمة، وخرجت المقالات والرسائل الجامعية والكتب التحليلية إلى الساحة العلمية برؤى مختلفة، وظهرت ببليوغرافيا عديدة حول الحسين بن علي(ع) وواقعة الطف جامعة المعلومات المستقاة من المصادر المختلفة، وقد قطعت أشواطاً بعيدة على طريق تدوين الموسوعات وذلك لوفرة المعلومات والمصادر.
للغرب والمفكرين غير المسلمين والمستشرقين حصة في الدراسات العاشورائية، حيث يشار هنا إلى أن وستنفلد كان أول من طرق هذا الباب من خلال ترجمته لكتاب مقتل الحسين لأبي مخنف الذي نشر في عام 1884م، والحدث الأهم الذي شهدته الدراسات العاشورائية يتمثل في الهواجس الفكرية المستجدة التي تشغل الباحثين في هذا المجال.
قديماً كان الاهتمام ينصب على رواية تفاصيل الحدث، بينما يتم في الوقت الحاضر استقصاء أسبابه. في الحالة الأولى ينصرف المؤلف إلى حفظ وتسجيل ونقل الحدث، أما في الحالة الثانية فيعكف على كشف أسبابه وتحليل أهدافه. وفي تقصيه للأسباب والأهداف والدوافع عند طرفي الصراع يستمد من علم الكلام الإسلامي والتاريخ وعلم الاجتماع وأحياناً علم السياسة.
وقد دأب الفريق الثاني العثور على الأجوبة لأسئلة من قبيل: ما هو سبب الثورة؟ ماذا كان يهدف الإمام الحسين(ع) من وراء ثورته تلك؟ ماذا كان يدور في خلد جيش الكوفة وماذا كانت دوافعه؟ ماذا أضافت هذه الثورة لمسيرة التاريخ الإسلامي؟
آراء عديدة طرحت عن طبيعة الثورة الحسينية، وقد استوعب كل رأي من تلك الآراء كتباً ومقالات من أجل إثبات صحته، وعلى هذا الأساس أضحت الـ 50 عاماً الأخيرة مسرحاً لتقاذف الآراء المتضاربة خصوصاً بعدما اقتضت ظروف المواجهة السياسية ومقارعة الظلم أن تتسلح المجتمعات الإسلامية وبالتحديد الشيعية منها بخلفية عقائدية صلبة، وقد وجدت في الثورة الحسينية خير محرك لها، حيث كان الإمام الحسين(ع) يمثل رمز التحدي والمواجهة ضد ظلم الطغاة والدفاع عن العدالة والحقيقة علي مرّ العصور.
تدخل الدراسات العاشورائية تدريجياً مرحلة جديدة يشكل احترام العادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة، محاولة تدوين المصادر المرجعية والاستفادة الواسعة من الشبكة العالمية (الإنترنيت) أهم عناصرها.
كما تعكف بعض المواقع المعلوماتية حالياً على نشر كل ما يتعلق بعاشوراء والإمام الحسين(ع) من تقارير ومعلومات، وبعض هذه المواقع تستند في نشاطها إلى رؤية ناقدة والبعض الآخر يسعى لتحقيق أغراضاً عدوانية.
هذا وقد افتتح ميرزا حسين نوري (؟ ـ 1320هـ) فصلاً جديداً في مواجهة تحريف واقعة عاشوراء بتأليفه كتاب لؤلؤ ومرجان.
اليوم ومع انتشار المواقع المعلوماتية العالمية (الإنترنيت) أحوج ما نكون إلى موقع معلوماتي علمي رصين يختص في هذا الموضوع.
وأخيراً يجب أن ننظر بعين الجدية إلى تدوين المصادر المرجعية في ميدان البحوث العاشورائية، فالموسوعات والببليوغرافيات والسير طرق بحثية جدّ نافعة، وهي في الحقيقة تعتبر الأساس والقاعدة المتينة للبحوث الأخرى. يقوم هذا العدد بتسليط الضوء على الأبعاد العالمية والمهمة لواقعة عاشوراء.
أحمد مسجد جامعي