كربلاء: رؤية جديدة 

IDB قسم الدراسات في

 

كربلاء هي قلعة العلم، هذا ما يقوله السيد سلمان هادي آل طعمة، في كتابه معجم رجال الفكر والأدب في كربلاء، الذي نشر في بيروت في العام الماضي، وقد ضمنه تراجم مقتضبة   لـ 1161 عالماً سكنوا هذه المدينة.

يعتقد المؤلف أن كربلاء باعتبارها مدينة مقدسة لم تكن مزاراً فقط بل شكلت موقعاً مرموقاً ومهماً في العالم الإسلامي والشيعي وذلك بسبب المؤسسات والمراكز التعليمية التي كانت تحتضنها.

فقد أسس حمد بن زياد نينوى صرح المدرسة الدينية (الحوزة العلمية) عام 310هـ، حيث كانت تدرس فيها العلوم الدينية كالفقه، وكان يؤمّها طلاب كثيرون من كل حدب وصوب، لينهلوا من علومها. ومن ناحية أخرى، لم يأل عضد الدولة البويهي وبقية عمال آل بويه جهداً في عمران كربلاء وتوسيعها مما ترك بصمات واضحة على ازدهار المراكز التعليمية.

وفي النجف الأشرف، قام الشيخ أبو جعفر محمد بن حسن الطوسي بتأسيس المدرسة الدينية (الحوزة العلمية)، وفي تلك الفترة هاجر هشام بن الياس الحائري (  ـ 490هـ) مؤلف كتاب المسائل الحائرية وابن حمزة عماد الدين الطوسي مؤلف كتاب الوسيلة إلى كربلاء، فأضفيا على مراكزها العلمية نشاطاً وحركة.

على الرغم من أن النجف الأشرف كانت أثيرة عند العلماء، لكن منهم من لمع نجمه في المناخ الثقافي لكربلاء وأثرى المكتبة العلمية، على سبيل المثال ابن المشهدي (510 ـ؟) الذي عاش في القرن السادس، والسيد فخار بن سعد الموسوي الحائري، السيد عميد الدين بن عبدالمطلب في القرن السابع.

وقد أحدث انتقال الزعيم والعالم الديني أحمد بن مهند الحلي في القرن التاسع إلى كربلاء تحوّلاً في تاريخ هذه المدينة، حيث أضحت مكاناً لتطور ورفعة العلوم الإسلامية في القرون اللاحقة.

ارتقت كربلاء العلياء في القرن الثاني عشر باعتبارها عاصمة العلم، وصارت في هذه الفترة مركزاً للإشعاع الثقافي بفضل جهود علماء جهابذة من أمثال السيد نصر الله الحائري، الشيخ مهدي الفتوني، الشيخ يوسف البحراني، آقا باقر وحيد بهبهاني مؤسس الأصولية المعاصرة، وأخيراً السيد علي طباطبائي.

هناك مسألة هامة وهي أن كل تلك التطورات حصلت في وقت كان يمكن للممارسات العنيفة والمعادية للثقافة من قبل الملوك والحكام أن تجتث أي نهضة ثقافية وأن توقف أي مدّ علمي.

حيث تعرضت كربلاء ابتداءً من القرن الثالث الهجري لغارات ومذابح متكررة كان آخرها حملة الجنود السعوديين، وقد قام المؤلف بفهرسة هذه الأحداث في مقدمة كتابه.

ويعكس السيد آل طعمة في كتابه وبأسلوب فريد النهضة الفكرية والتطور العلمي في كربلاء. فهو يحصي الكتب العلمية المختلفة، ثم يذكر ترجمة سريعة لـ 1161 عالماً ولدوا في كربلاء أو أقاموا فيها، مع استعراض مؤلفاتهم. وقد أتى المؤلف بالكنى والألقاب في البداية، جاعلاً الترتيب الألفبائي حسب الأسم الأول. كما استوعبت الهوامش في كل صفحة المصادر المعتمدة، وورد ثبت بالمراجع في نهاية الكتاب مع خلو الإثنين من التفاصيل.

ترك اقتضاب بعض التراجم أثراً على عدم وضوح المعنى، وكان الأفضل الإتيان ببعض الفهارس في نهاية الكتاب لتسهيل عملية الحصول على المعلومات، مثلاً فهرس لتواريخ العلماء المذكورين، حيث تظهر أهمية هذا الفهرس في استعراض الخط البياني لعلماء كل عصر. يبين الكتاب أنه في كل قرن ولد 100 عالماً في كربلاء، أي بمعدل عالم واحد كل سنة. وعلى أي حال، بالرغم من نقاط الضعف التي تعتري الكتاب فهو يعتبر سجلاً علمياً للتعريف بعلماء مدينة كربلاء، ومصدراً مهماً للباحثين في مجال التاريخ والثقافة الإسلامية والشيعية.