الخلفية التاريخية للتعزية الحسينية لدى السنة

رسول جعفريان

مدخل:

إحدى إفرازات ثورة الإمام الحسين(ع) عبر التاريخ، ظهور الحركات العلوية أواخر الحكم الأموي وطيلة الحكم العباسي، وهي امتداد طبيعي لثورة كربلاء الحمراء. فقد واصل العلويون ثوراتهم على خطى كربلاء، وكان شعارهم أن الإمامة والخلافة حقهم الطبيعي.

في عام 122هـ تزعم زيد بن علي حفيد الإمام الحسين(ع) أول ثورة علوية مهمة بعد واقعة كربلاء، ثم تابع المسيرة من بعده ابنه يحيى حيث قتل في خراسان عام 126هـ.

وبعد مجيء العباسيين واصل العلويون ثوراتهم، ولكن هذه المرة ضد العباسيين، ومنذ ذلك الحين ظهرت فرقتان علويتان: الحسنيون والحسينيون.

صحيح أن الإمام الحسين(ع) قاد ثورة كربلاء، لكن كان من جملة الذين انضموا إلى قافلة شهداء كربلاء القاسم وعبدالله ولدا الحسن(ع).

بعد تسلم العباسيين الحكم، ظهر تيار الزيدية بزعامة الثوار الحسنيين، وإلى جانب ذلك سار الحسينيون، أو بالأحرى معظم الحسينيين خلف أئمة المذهب الإمامي، وأخذوا على عاتقهم مهمة النشاطات الفكرية والفقهية والكلامية.

على أي حال، استمر وجود الحركة الزيدية، وقد التزمت الخط الثوري على طول الخط مقارنة بالمذهب الإمامي الذي ابتعد أئمته عن ذلك المسلك، في الظاهر على الأقل، ولم يعرف عن أتباع المذهب الزيدي التصلب في المسائل الكلامية والفقهية، وهي حقيقة معروفة، وحتى وقت قريب كانوا يحترمون الآراء الشيعية، ويقيمون عليها كقولهم حي على خير العمل في الأذان، لكنهم بعد ذلك اقتربوا كثيراً من المذهب الحنفي. فسيرة علماء القرن الخامس الهجري تظهر بجلاء إلتقاء الحنفية والمعتزلة عند الزيدية، بعبارة أوضح إن الزيدية أخذت الكثير من الفقه الحنفي والكلام المعتزلي، في حين لا ينتمي الأحناف لا للزيدية ولا للمعتزلة، بل اختاروا طريقاً ثالثاً وهو مذهب أبي حنيفة في الفقه، وليس في الكلام أو السياسة.

أما لماذا التقت الفرق الثلاث الزيدية والحنفية والمعتزلة فجوابه يتجسد في التحولات الثورية والفكرية التي شهدها أواسط القرن الثاني الهجري، حيث تفجرت ثورتان زيديتان، الأولى في المدينة عام 145هـ بقيادة محمد بن عبدالله الملقب بالنفس الزكية، والثانية في البصرة عام 146هـ بقيادة أخيه إبراهيم.

بالنسبة لثورة العراق، أفتى أبو حنيفة بوجوب الخروج مع إبراهيم ومؤازرته، وكذلك فعل باقي فقهاء العراق الذين شاركوا بأنفسهم في الثورة وقتلوا فيها.

كما ساندها بعض زعماء المعتزلة أيضاً، وبمرور الوقت ساعد هذا التقارب على انتشار الفقه الحنفي والكلام المعتزلي بين الزيدية.

وقد استمرت هذه العملية حتى القرن السابع الهجري، وهي تحتاج إلى دراسة مستفيضة.

في مطلع القرن الرابع الهجري قام ابن عقده(؟ ـ333هـ) أحد كبار المحدثين في العالم الإسلامي وهو شيعي ينتمي إلى الفرقة الزيدية الجارودية، بتأليف كتاب أخبار أبي حنيفة ومسنده الذي لا تزال الكثير من مروياته متداولة حتى اليوم .

وأوضح مثال يمكن تقديمه عن هذا المزيج الزيدي الحنفي المعتزلي هو موفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي (؟ ـ 568هـ)، وهو خطيب خوارزم المشهور، عاش في النصف الأول من القرن السادس، وألّف كتاب مقتل الحسين حيث سيأتي الحديث عنه لاحقاً.

ما يهمنا هنا مساندة أبي حنيفة للثورات العلوية، الأمر الذي انسحب تدريجياً على أتباع المذهب الحنفي، وإن كان ذلك باهتاً عند بعضهم، بمعنى أن بعض أتباع أبي حنيفة تراجعوا عن النهج الثوري الذي استنه هو، والذي سيأتي شرحه فيما بعد، أما ما يجب ذكره في هذه العجالة شواهد من مساندة أبي حنيفة لثورة زيد بن علي وثورة إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن.

أبو حنيفة، الشيعي الزيدي:

يطلق إسم الشيعي الزيدي مجازاً على من يؤيد الثورات الزيدية، ويقبل بإمامة العلوي، ولا يشترط فيه أن يحمل العقيدة الشيعية، ولكنه في الناحية السياسية يؤيد قيام الدولة العلوية.

وبتحديد أكثر، إن الشيعي الزيدي، خصوصاً في القرن الثالث فما بعد، هو الذي يحمل تركيبة من الفقه الشيعي والفقه الحنفي والكلام المعتزلي. وفي عصر أبي حنيفة وبعيد ثورة زيد بن علي لم تكن العقيدة الزيدية قد تبلورت بعد كفرقة مستقلة، ولهذا عندما نطلق إسم الشيعي الزيدي على أبي حنيفة، يلزم تحديداً تقديم الأدلة التي تثبت تأييده للزعماء العلويين في العصرين الأموي والعباسي.

الدليل الأول، هو مساندته لثورة زيد بن علي بن الحسين في الكوفة ضد الحكم الأموي عام 122هـ، وكذلك فعل العديد من الشخصيات والعلماء في العراق.

هناك رواية موثوقة في هذا الصدد وردت في كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج علي بن الحسين الأموي الأصفهاني(284 ـ 356هـ)، وهو أموي النسب، علوي المشرب، حيث يروي الفضيل بن الزبير: قال لي أبو حنيفة: من من الفقهاء ساند زيداً؟ قلت: سليمة بن كهيل، يزيد أبي زياد، هارون بن سعد، هاشم بن بريد، أبو هاشم الرماني، الحجاج بن دينار وغيرهم، فقال أبو حنيفة:

قل لزيد لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك، فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح. ويضيف الفضيل: بعد ذلك أعطاني إياها لأسلمها لزيد، وقد فعلت ذلك.

ويتحدث أبو الفرج عن مساندة أبي حنيفة لثورة إبراهيم بن عبدالله العلوي في البصرة عام 146هـ أيام الحكم العباسي.

ثار أخوه ذو النفس الزكية في المدينة عام 145هـ وأخمدت ثورته. وهناك عدة أدلة تاريخية تثبت مساندة أبي حنيفة لثورة إبراهيم:

أولاً، يقول زفر بن هذيل: كان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهراً شديداً، ويفتي الناس بالخروج معه، ويضيف قائلاً: كتب أبو حنيفة ومسعر بن كدام إلى إبراهيم أن يأتي إلى الكوفة، وتعهدا بمساندته وتجييش أهل الكوفة له. وقد تعرض أبو حنيفة للانتقاد من قبل المرجئة بسبب موقفه هذا.

وجاء في موضع آخر: كانت المرجئة تنكر ذلك على أبي حنيفة وتعيبه به.

هناك رواية أخرى لأبي اسحاق الفزاري يقول فيها: ذهبت إلى أبي حنيفة وقلت له معترضاً: ألا تخشى الله، تفتي لأخي بالخروج مع إبراهيم حتى أوردته المهالك؟ فيجيبه أبو حنيفة قائلاً: قتل أخيك خير قتل، يعدل قتله لو قتل يوم بدر، وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة.

يقول الفزاري: وسألت أبا حنيفة: لماذا لم تخرج أنت؟ فأجاب: ودائع الناس كانت عندي .

في رواية أخرى يقول أبو اسحاق الفزاري هذا، واسمه إبراهيم بن محمد بن الحرث: خرج أخي مع إبراهيم بفتوى من أبي حنيفة وقتل، فلا أحب أبا حنيفة أبداً.

كما يقول عبدالله بن إدريس: سمعت أبا حنيفة وهو قائم على درجته، ورجلان يستفتيانه في الخروج مع إبراهيم وهو يقول: أخرجا.

كما يروي أبو الفرج بسنده عن محمد بن منصور الرازي نقلاً عن مشايخه، أنه جاء في رسالة أبي حنيفة إلى إبراهيم بن عبدالله ما يلي:

عندما تظهر على عدوك، لا تعمل بسيرة جدك علي بن أبي طالب في أصحاب الجمل في عدم الإجهاز على المغلوب، وعدم إقتسام الغنائم، وعدم تعقب الهارب، وعدم قتل الجريح، لأنها فرقة لم يكن لها ناصر، بل اعمل بسيرة جدك في صفين، حيث أجهز على الأسير واالجريح، وقسم الغنائم، لأن أهل الشام كانوا ظهير هذا الجيش، وكانوا يقطنون هناك. وقد وقعت تلك الرسالة بيد أبي جعفر المنصور، وعلى أثرها قام بدعوة أبي حنيفة إليه، ودسّ إليه السمّ، فمات ودفن في بغداد.

وقد ذكر أبو الفرج رواية أخرى منفصلة حول دسّ السمّ لأبي حنيفة من قبل المنصور.

كما يذكر إبراهيم بن سويد: كان أبو حنيفة في ضيافتي عندما خرج إبراهيم، وقد سألته: هل ترى بعد أداء فريضة الحج الخروج مع هذا الشخص، أم حجة أخرى أفضل؟

فأجاب أبو حنيفة: غزوة بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة.

وينقل نفس الشخص أن امرأة جاءت إلى أبي حنيفة وقالت: يروم ولدي الخروج مع هذا الرجل، وأنا امنعه، ماذا تقول في هذا؟

فقال: لا تمنعيه.

ويقول حماد بن أعين: كان أبو حنيفة يحضّ الناس على الخروج مع إبراهيم، ويأمرهم بإتباعه.

الحد الفاصل بين الشيعة والسنة ابتداءً من القرن الثالث الهجري:

إلى جانب انتشار المذهب العثماني في القرون الأولى للإسلام (وهو المذهب الذي لا يرى مطلقاً أي شرعية في خلافة الإمام علي(ع))، كان هناك نفر من علماء الإسلام، خاصة في العراق، يصرّ على نشر الأحاديث التي تروي مناقب الإمام علي(ع) وأهل بيته جميعاً. وصف هؤلاء النفر في كتب الرجال السنية المتقدمة بعبارة فيه تشيع، ولهذا السبب بالذات تعرضوا للتجاهل، هذا في الوقت الذي يعتبر الكثير منهم من كبار علماء ومحدثي أهل السنة، ولهم أحاديث كثيرة مروية عنهم في صحيحي مسلم والبخاري.

في كتابه الصغير الاختلاف في اللفظ ينتقد ابن قتيبة بشدة، وهو أحد علماء أواسط القرن الثالث، رواة الحديث في عصره، وبالتحديد الفئة عثمانية الهوى، بسبب ردّهم للأحاديث التي تحكي مناقب الإمام علي(ع).

وهكذا، فإن إلقاء نظرة على كتاب ميزان الاعتدال لشمس الدين الذهبي، تكشف لنا عن أسماء مئات الرواة الذين اتهموا بالتشيع بسبب نقلهم للأحاديث المذكورة.

واستمرت مسيرة أهل الحديث المتطرفة حتى عصر أحمد بن حنبل، أحد علماء أهل الحديث المرموقين، الذي يعتبر ظهوره نقطة تحول كبرى على طريق التسليم بفضائل الإمام علي(ع)، وتدعيم منزلته بين أهل السنة كرابع خليفة.

فقد ذكر في مسنده أحاديث لا تحصى عن فضائل أهل البيت(ع)، مما لم يرد ذكرها مع الأسف في الصحيحين، أو باقي الصحاح والسنن. علاوة على مسنده، أورد ابن حنبل في كتابه فضائل الصحابة أيضاً أحاديث كثيرة في مناقبهم(ع)، وخصوصاً حديث الغدير الذي رواه بأسانيد متعددة، والحق يقال أنه بذل جهداً مشكوراً في تعديل المذهب العثماني.

وعلى خطى ابن حنبل، خفف حنابلة بغداد من شدة تعصبهم، وأبدوا تسامحاً نتيجة للمناخ الشيعي الذي ساد مع تسلم أسرة آل بويه مقاليد الأمور، وهم (حنابلة بغداد) الذين أظهروا في البداية مقاومة عنيدة، حيث كانت لهم مواجهات عديدة مع الشيعة على مدى 150 عاماً بسبب إقامة مراسم العزاء على الحسين(ع)، لكن مع عملية نشر الأحاديث الواردة في فضائل الإمام علي(ع) وأهل بيته(ع) بينهم، والتي بدأها أحمد بن حنبل، خفّت عصبيتهم وفترت.

ويروى أنه في أواخر القرن الثالث قام الحنابلة بهجر المؤرخ الإسلامي الكبير محمد بن جرير الطبري بسبب نقله أسانيد حديث الغدير، لكن في القرن الخامس الهجري تخلوا عن التعصب، واستتب السلم والتعايش بينهم وبين الشيعة.

مع انطفاء جذوة هذه الصراعات في القرن السادس، تصاعدت وتيرة تأليف الكتب حول أهل البيت، وبدأت التعديلات في النهج السني تؤتي أكلها من خلال التعامل مع أئمة أهل البيت(ع).

ويعتبر كتاب تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي، المنتسب إلى أسرة ابن الجوزي، خير شاهد على تغير موقف حنابلة بغداد، وحدوث توازن في النهج السني المتطرف. وعلى الرغم من أن المتعصبين نسبوه إلى التشيع، لكنه يقول أنه يتوسط المذهبين الشيعي والسني.

مثال آخر هو الإمام أبو الفضل يحيى بن سلامة الحفصكي (؟ ـ 551 أو 553هـ)، حيث ينقل عنه ابن طولون قصيدة في مدح الأئمة الأثني عشر. جاء في مقطع منها:

حيدرة والحسنان بــــــــعده          ثم علي وابنه محمــــــد

وجعفر الصادق وابن جعفر          موسى ويتلوه علي السيد

أعني الرضا، ثم ابنه محمـد           ثم علي وابنه المســـــدد

الحســـــن التالي ويتلو تلوه          محمد بن الحسن المعتقد

وله أيضاً قصيدة يرثي بها الإمام الحسين(ع) يقول في مطلعها:

ومصــــــــرع الطف فلا أذكره          ففي الحشــــى منه لهيب يقد

يرى الفرات ابن الرسول ظاميا          يلقى الردى وابن الدعي يرد

يا أهل بيت المصطفى يا عدتي           ومن علـــــــى حبهم أعتمــد

والشــــــافعــي مذهبــي مذهبه           لأنه فـــــــــي قولــــه مؤيد

لم يقتصر هذا السلوك المتزن والتقارب مع الشيعة على فئة سنية معينة ، فمن الشافعية ألّف محمد بن طلحة الشافعي ( ـ 652هـ) كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول(ص) بطريقة يخيل إلى القارئ أن كاتبه شيعي إثنا عشري مع تغيير طفيف.

وهناك أيضاً كتاب كفاية الطالب لمحمد بن يوسف بن محمد الگنجي الشافعي ( ـ 658هـ)، وهو في فضائل الإمام علي(ع) وأهل بيته(ع).

أما عن الحنابلة، فقد قام أبو محمد عبدالرزاق بن عبدالله بن أبي بكر عز الدين الأربلي ( ـ 660هـ) وبطلب من بدرالدين لؤلؤ حاكم الموصل الشيعي بجمع طائفة من الأحاديث في فضائل الإمام علي، وقد أفاد صاحب كشف الغمة منها إفادة عظيمة.

كما قام أبو محمد عبدالعزيز بن محمد بن مبارك الحنبلي الجنابذي ( ـ 611هـ) بتأليف كتاب معالم العترة النبوية ومعارف أهل البيت الفاطمية العلوية، وهو عن سيرة الأئمة (حتى الإمام الحسن العسكري(ع)).

وأورد ابن خلكان الشافعي في وفيات الأعيان سيرة أئمة أهل البيت(ع)، بالطبع لا يقارن عمله بالآخرين، ولكن مجرد اهتمامه بأئمة الشيعة، يعكس حضورهم في وجدان ذلك القرن.

وفي كتاب تاريخ گزيده (المختار من التاريخ) لـ أحمد الله المستوفي (؟ ـ 750هـ) بعد ذكر الخلفاء الأوائل بألقابهم المعتادة واللائقة يأتي إلى ذكر الإمام الحسن المجتبى ويسميه (أمير المؤمنين وحفيد رسول رب العالمين، الإمام المجتبى الحسن بن علي المرتضى)، ثم يفرد فصلاً تحت عنوان: في ذكر جميع الأئمة المعصومين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وهم حجج الله على خلقه وفترة إمامتهم 215 عاماً و7 أشهر، تبدأ في الرابع من صفر عام 49هـ حتى رمضان عام 264هـ.

ويضيف قائلاً: على الرغم من عدم تسلم الأئمة المعصومين للخلافة، فإننا نورد هنا تيمناً خلاصة عن سيرتهم لأنهم كانوا أهلاً للخلافة.

في القرن التاسع ألف ابن الصباغ المالكي(784 ـ 855هـ) كتاب الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة.

وفي القرن العاشر ألّف شمس الدين محمد بن طولون ( ـ 953هـ) وهو من العلماء المولعين بالتصوف كتابه الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الأثني عشرية عند الإمامية، فبعد ذكر سيرة الأئمة نقلاً عن المصادر المعتبرة، ينشد أبياتاً في وصفهم:

عليك بالأئمة الإثنى عشـــــر           من آل بيـت المصطفى خير البشر

أبو تراب حســـــــن وحسين           وبغض زيـــــــــــن العابدين شين

محمــــد الباقر كم علم درى          والصادق ادع جعفراً بين الورى

موسى هو الكاظم وابنه علي           لقب بالرضـــــــا وقدره علـــــي

محمـد التقي قلبه مغمــــــور           علــــــــي التقي دره منثــــــــــور

والعسـكري الحســن المطهر           محمــــــد والمهـدي سوف يظهر

ونضيف إلى الكتب المذكورة كتاب الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي ( ـ 1172هـ)، نور الأبصار للشبلنجي، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي ( ـ 1294هـ).

ومن القرن العاشر هناك كتاب كنه الأخبار، وهو على غرار الكتب السابقة يشرح سيرة الخلفاء والأئمة الإثني عشر .

وكتاب آخر معتبر هو المقصد الأقصى في ترجمة المستقصى، وهو بالعربية، وقام كمال الدين حسين الخوارزمي بترجمته إلى الفارسية، مع الإبقاء على نفس العنوان. وهو في أحوال الرسول الكريم(ص) والخلفاء، وعلى الرغم من مذهبه السني، فقد أضاف إليه سيرة الأئمة الإثني عشر والسيدة فاطمة الزهراء(ع) .

ومثال آخر هو كتاب روضات الجنان وجنات الجنان لدرويش محمد الكربلائي السني الذي أسهب في جزئه الثاني في شرح سيرة أئمة الشيعة، والجزء المذكور مأخوذ في معظمه من كتاب فصل الخطاب للخواجة محمد پارسا الذي كان موغلاً في تسننه، ومع ذلك فهو يستعرض بالتفصيل سيرة الأئمة.

وكتاب غاية الهمة في ذكر الصحابة والأئمة أو الرسالة المحمدية لـ محمد عليم بن محمد بن موسى الله آبادي وهو أيضاً عن سيرة النبي(ص) والخلفاء الأوائل وأئمة الشيعة.

وأروع كتاب في هذا المجال هو وسيلة الخادم إلى المخدوم في شرح الصلاة على الأربعة عشر معصوماً لـ فضل الله بن روزبهان خنجي، وهو عالم سني إيراني مشهور جداً. في كتابه هذا أنشد أبياتاً في الصلاة على الأربعة عشر معصوماً(ع)، وأعطى نبذة تاريخية عنهم. كما خصص جزءاً من الكتاب للحديث عن الإمام الحسين وواقعة كربلاء.

التعزية عند أهل السنة في القرن السادس الهجري نقلاً عن عبدالجليل:

في كتابه الذي ألفه عام 560هـ تقريباً، رداً على أحد الكتاب السنة، يورد عبدالجليل الرازي معلومات قيمة للغاية عن تاريخ مراسم التعزية على الإمام الحسين(ع) لدى أهل السنة.

في البداية ينقل هذه الفقرة عن الكاتب السني:

(تظهر هذه الفئة في يوم عاشوراء الجزع والفزع، وتقيم مراسم العزاء، ويحيي أتباعها ذكرى مصيبة شهداء كربلاء ووقائع استشهادهم على المنابر، فيقوم العلماء بحسر رؤوسهم والعوام بشق جيوبهم والنساء بلطم خدودهن.)

فيرد عليه عبدالجليل قائلاً:

(الجميع يعلم أن أئمة الفريقين من أصحاب الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي وعلماء الفرق وفقهائهم جميعاً جيلاً بعد جيل قد حافظوا على هذه السنة.

فالشافعي الذي يمثل رأس المذهب، علاوة على ذكره للمناقب ، له قصائد كثيرة في رثاء الإمام الحسين وشهداء كربلاء . ويقول في إحدى قصائده:

أبكي الحسين وأرثي منه جحجاحاً           من أهل بيت رسول الله مصباحاً

ويقول في قصيدة أخرى:

تأوّب همي فالفؤاد كئيب          وأرّق نومي فالرقاد عجيب

وما أنشده أصحاب أبي حنيفة والشافعي من مراثي في شهداء كربلاء لا يحصى. فإذا كان هناك خطأ فيتحمل وزره أولاًً أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما، ومن ثم نحن.)

وبعدها يستعرض مفصلاً صوراً من مراسم العزاء عند أهل السنة من الأحناف والشافعية (الذين كانوا منتشرين في إيران آنذاك) في القرن السادس في مدن أصفهان وبغداد وهمدان ونيشابور والري، ويتوصل إلى أنه:

(إذا كان هذا العمل (إقامة مراسم العزاء) هو بدعة كما يدّعي البعض، لما أجازه المفتين، ولما استحسنه أئمة المذاهب.)

على أي حال، في القرن السادس كان غالبية العلماء السنة في بغداد يتحدثون عن ظلامة الإمام الحسين(ع)، ولم يتبق فيهم شيئاً من التعصب الذي كان سائداً في العصر الأموي، طبعاً مع بعض الاستثناءات، فقد ألّف شخص يدعى عبدالمغيث بن زهير الحنبلي كتاباً أسماه فضائل يزيد، وردّ عليه العالم السني الشهير ابن الجوزي في كتابه الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد.

ويقول ابن الأثير في كتابه الكامل (ج11/ص562) عن عبدالمغيث هذا:

صنّف كتاباً في فضائل يزيد بن معاوية أتى فيه بالعجائب.

ومما يدعو للاستغراب أن الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء يصفه بأنه كان ثقة سنياً (سير أعلام النبلاء، ج21، ص160)، مع هذا فإن هذه النزعات كانت ضعيفة وتافهة، وكذلك هو الحال في عصرنا، فهي حقاً تافهة ولا تستحق الاهتمام.

مرة أخرى نرجع إلى القرن السادس الهجري، حيث كان في بغداد خطيبان مشهوران يقيمان مجالس العزاء أيام عاشوراء:

الأول الخطيب القدير علي بن الحسين الغزنوي الحنفي، كان مجلسه يعجّ بالسلاطين. والخطيب الثاني أمير العبادي، حيث كان يتلو مقتل الحسين(ع) في يوم عاشوراء، وقد نقل ابن الجوزي نفسه أخباراً عن منبره وقصار عباراته. ويبدو أن إقامة المراسم العاشورائية في بغداد كانت مستمرة عند السنة والشيعة ولم تتوقف أبداً.

التعزية الحسينية في خراسان في عهد التيموريين:

يبدو أن مراسم العزاء على الإمام الحسين(ع) أيام عاشوراء في خراسان كانت قائمة قبل قرنين من تسلم الصفويين الحكم، وقد كانت عاصمة الشيعة والسنة. كما يدل إحياء مدينة هرات لهذه المراسم على مشاركة السنة للشيعة في هذا الأمر.

لقد سبق نور الأئمة غيره من الكتب في الظهور في هذه المدينة، وهو إلى حد ما ترجمة لكتاب مقتل الحسين لموفق بن أحمد الخوارزمي (484 ـ 568 هـ)، وكتب كثيرة أخرى في هذا المجال.

في أواخر هذا العصر، وبالتحديد قبل 8 سنوات من الحكم الصفوي على هذه المنطقة، دوّن كتاب عن استشهاد الحسين(ع) لمؤلف لم يعترف بالحدود بين السنة والشيعة، وهو الملا حسين كاشفي الذي كان يتهم في هرات بالتشيع، وفي سبزوار بالتسنن.

كان يحظى بشعبية واسعة في هرات في العهد التيموري، وكان يحضر مجلسه كبار رجالات الدولة طيلة سني حكم السلطان حسين بايقرا، وقد حمل كتابه اسم إحدى شخصيات البلاط آنذاك.

يقول الملا حسين كاشفي في كتابه روضة الشهداء:

(مع إطلالة شهر محرم، تتقد الجذوة من جديد في قلوب المسلمين وأنصار نبي الإسلام(ص).)

يقوم الملا كاشفي بإعداد نص لهذه المجالس وذلك بطلب من أحد كبار السادة والوجهاء في مدينة هرات يدعى (مرشد الدولة) الذي اشتهر بـ (سيد ميرزا). فبعد أن يوضح عظمة البكاء على الإمام الحسين(ع) ووجوب الجنة لمن يبكي عليه، يقول: (لهذا السبب مع دخول شهر محرم في كل عام يقوم محبوا أهل البيت بإحياء تلك الذكرى من خلال إقامة مجالس العزاء على أبناء الرسول(ص).)

ويتابع الملا كاشفي فينقل ما يتلى في هذه المجالس قائلاً:

(ألّفوا الكتب في أخبار مصارع الشهداء وأقاموا على ذلك، وغسلوا بدموعهم أدران قلوبهم. أما المسألة المهمة فهي: على الرغم من أن تلك الكتب قد ازدانت بقصص الشهداء، لكنها افتقدت ذكر مناقب الإمام الحسن والإمام الحسين(ع)، وتفاصيل سيرتهما، مما حدا بالسيد ميرزا أن يوكل إلى العبد الفقير حسين الواعظ الكاشفي بتأليف كتاب جامع لسيرة الأنبياء والأصفياء والشهداء وسيرة آل الكساء مع الشرح والتفصيل.)

ترك كتاب روضة الشهداء تأثيراً عظيماً ليس على الشيعة أيام الحكم الصفوي فحسب، بل على السنة في كافة أنحاء إيران أيضاً. ومن الأمثلة البارزة على عمق هذا التأثير العمل الذي قام به عبدالله زيور ( ـ 1369هـ) الشاعر العراقي الكردي السني الملمّ بالفارسية، وذلك بتحويل النص الفارسي لـ روضة الشهداء إلى شعر فارسي، وأطلق عليه إسم: قصة كربلاء المؤلمة.

ومن المناسب هنا أن نطلع على موقف شاعر خراسان الكبير عبدالرحمن جامي (817 ـ 898هـ) العالم الحنفي الذي كان له باع طويل في التصوف، فهو يبين معتقداته الدينية حول مسألة الخلافة، واصفاً نفسه بأنه سني ملتزم، وفي نفس الوقت محب لآل البيت. وكبقية أهل السنة، يؤمن بأن السنّي يجب أن ينأى بنفسه عن خلافات الصحابة وتصنيفهم إلى صديق وعدو، وفي الوقت ذاته، عليه أن يسلّم بأن الحق مع علي في هذه الخلافات.

ومما يجدر ذكره أن أهم النزاعات الدينية لجامي مع المناوئين له كانت مع الشيعة الذين كانوا يتمتعون بنفوذ كبير في خراسان، وقد انتشر المذهب الشيعي بسرعة مع مجيء الصفويين إلى هذه الديار.

حمل جامي كثيراً على الشيعة، وسعى للإبقاء على مناخ التعاليم السنية الذي كان سائداً في هرات. وهو نفس اتجاه أمير علي شيرنوايي، ولهما طبعاً مناوئين سنيين ذوي ميول شيعية. ومع هذا سعى جامي إلى احترام الحدود، فقد كان نافراً للرفض (التشيع) والرافضة (الشيعة) الذين يكيلون السباب للصحابة، لكنه في نفس الوقت يقوم بترجمة قصيدة الشافعي المعروفة التي مطلعها:

لو كان رفضاً حب آل محمد          فليشهد الثقلان أني رافضي

إلى الفارسية وعبر عن رأيه حول مضمونها.

لقد أضحى جامي طريد الشيعة والسنة، فهو من جهة يتعرض للطعن من قبل الشيعة حين قدومه إلى بغداد بسبب أشعاره في الرافضة، ومن جهة أخرى، يحمل عليه أهل السنة في خراسان إنشاده المدائح في الإمام علي(ع) وعن ذلك يكتب:

(خفت أن اتهم بالخروج على الدين من قبل أهل السنة في خراسان بسبب مدائحي في الإمام علي وأولاده المكرمين، ولم أكن أعلم أني سأبتلى بجفاء الشيعة في بغداد.)

وعندما قدم جامي إلى العراق أسرع في زيارة العتبات المقدسة هناك، وأنشد شعراً في وصف زيارة الإمام الحسين(ع) ، ثم واصل رحلة الحج معرجاً في طريقه على مرقد الإمام علي(ع)، وله أبياتاً رائعة بهذه المناسبة.

مجموعة من مؤلفات العلماء الأحناف حول الإمام الحسين(ع):

كانت للعلماء السنة مؤلفات لا تحصى حول آل البيت(ع)، نورد هنا أمثلة في مؤلفات علماء الحنفية حول الإمام الحسين:

ضياء الدين أبو المؤيد الموفق بن أحمد بن محمد المكي الخطيب الخوارزمي الحنفي(484ـ 568هـ) صاحب كتاب مقتل الحسين(ع)، وأكبر العلماء الأحناف الذين كتبوا عن الإمام الحسين (ع)، كان تلميذاً للزمخشري، حيث تلقى عنه علوم الأدب، ثم هاجر إلى المدن الإسلامية المختلفة، واستمع إلى الأحاديث. وردت سيرته في كتاب خريدة القصر لمعاصره عماد الكاتب في القسم المتعلق بإيران، وأثنى عليه لفقهه وأدبه، كما ترجم له القفطي في كتاب إنباه الرواة (ج3، ص332) وذكر سنة وفاته في 568هـ. كما ترجم له علماء كبار من كتّاب التراجم أمثال ابن النجار وابن الدبيثي.

للخوارزمي كتاب مناقب أبي حنيفة طبع في حيدر آباد عام 1321هـ، وكتاب قضايا أمير المؤمنين(ع)، كتاب رد الشمس على أمير المؤمنين، والكتابان الأخيران مفقودان.

وأهم كتبه على الأطلاق هو مقتل الحسين الذي وصلتنا منه ثلاث مخطوطات على الأقل.

نشر الكتاب أول الأمر في النجف، ثم في قم عام 1399هـ، أما آخر طبعة له كانت عام 1418هـ من قبل دار أنوار الهدى. ويشار إلى أن له أشعاراً في مدح أبي حنيفة وردت ضمن مقدمة المرحوم السماوي على الكتاب.

وللخوارزمي أبياتاً يرثي بها أهل البيت(ع) نورد هنا بعضها:

لقـــــد قتلوا عليـــــاً مذ تجـــــلى           لأهل الحق فحلاً في الضراب

وقد قتلوا الرضا الحسن المرجى           جواد العـرب بالســــم المذاب

وقـد منعوا الحسيـن المـاء ظلـما ً           وجـدل بالطعان وبالضـــراب

ولولا زينــب قتـــــلوا عليـــــــاً           صـــغير قتـل بق أو ذبـــــاب

وقــد صلبوا إمام الحـق زيــــداً           فيا لله مــن ظلــــم عجـــــاب

بنات محمد في الشمس عطشى           وآل يزيــــد فــي ظل القباب

لآل يزيد من أدم خيام           وأصحاب الكساء بلا ثياب

ألف عفيف الدين أبي السيادة عبدالله بن إبراهيم الطائفي الحنفي ( ـ1207هـ) كتاباً أسماه إتحاف السعداء بمناقب سيد الشهداء. وللمذكور ترجمة في عجائب الآثار للجبرتي (ج2، ص147)، وهناك نسخة من هذا الكتاب موجودة في مكتبة سليم آغا في اسطنبول.

قادر بخش بن حسن بن علي الحنفي الهندي الشهسرامي(1273 ـ 1337هـ)، أحد علماء الأحناف في الهند، له كتاب جور الأشقياء على ريحانة سيد الأنبياء. وردت سيرة المذكور وكذلك كتابه في كتاب نزهة الخواطر (ج8، ص370).

مولوي عبدالعزيز بن شاه ولي الله الدهلوي(1159 ـ 1239هـ)، له كتاب سر الشهادتين حول الحكمة من استشهاد الإمام الحسين(ع)، نشرت نسخته العربية في مجلة الموسم (العدد12، ص83 ـ 91) وكذلك نشر باللغة الأوردية.

الشيخ علي أنور بن علي أكبر بن حيدر علي العلوي الحنفي الكاكوروي (1269 ـ 1324هـ)، له كتاب شهادة الكونين في مقتل سيدنا الحسين السبط، وقد وردت ترجمة المذكور في كتاب نزهة الخواطر (ج8، ص328) مع نبذة عن كتابه.

محمد معين بن محمد أمين السندي التتوي الحنفي ( ـ 1161هـ)، له كتاب قرة العين في البكاء على الحسين(ع)، ويذكر فيه وجوب البكاء على الإمام الحسين(ع)، ويبرهن على أن إقامة مراسم العزاء الحسينية لا تخص الشيعة وحدهم.

محمود بن عثمان بن علي بن الياس الحنفي الروحي (878 ـ 938هـ)، له كتاب مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في كربلاء، ذكره إسماعيل باشا في كتابه هدية العارفين (ج2، ص412).

وعدا الكتب، هناك شعراء كثيرون من أهل السنة وخصوصاً أحناف العصر الأول أنشدوا قصائد مثيرة في رثاء الإمام الحسين(ع) وواقعة عاشوراء، وقد ذكر الخوارزمي بعضاً منها في كتابه مقتل الحسين(ع) .

خاتمة:

تقام في العصر الحاضر مجالس عزاء الإمام الحسين(ع) في مناطق عديدة من إيران والهند وباكستان بصورة منفصلة أو مشتركة بين الشيعة والسنة. فالتقاليد التي كانت متبعة شرق إيران، والتي يرجع بعضها إلى منطقة خراسان القديمة، انتشرت في منطقة سيستان أيضاً.

أما في الهند والباكستان، فقد انتشرت هذه المراسم قبل حوالي أربعة قرون، تزامناً مع مجيء الحكومات الموالية لإيران في شمال وجنوب الهند، وفي عصرنا الحالي يتناصف السنة والشيعة إقامة هذه المراسم في المدن الكبيرة من الهند مثل حيدر آباد، وفي الباكستان مثل كراچي.

على مدى قرون طويلة وهذه المراسم تقام في الهند، حتى أنها راجت بين الهندوس أيضاً، حيث يشارك معظمهم المسلمين مراسمهم في هذه الأيام.

وحافظت منطقة كردستان العراق على هذه السنة القديمة المتبعة، حيث يكنّ السكان هناك احتراماً خاصاً لها. ومما يؤسف له أنه في العقود الأخيرة، وفي خضم ارتفاع حمى التعصب الديني في بعض مناطق العالم الإسلامي، والسعي لنشره في باقي الأجزاء، انتشر تيار يدعو إلى بعث حالة خاصة من التسنن، هدفها ايجاد حدود فاصلة بين المسلمين وتعميقها.

ونجزم أن هذا التيار هو الوريث البغيض للتيار المسمى (أهل الحديث أو المذهب العثماني) الذي ظهر في القرنين الثاني والثالث، وكان دأبه النأي عن كل من يظهر أدنى مخالفة له، ومن أجل هذا أطلق على كل فئة اسماً خاصاً يكون بمثابة قدح لها، فألقاب من قبيل المرجئة، الشيعة، المعتزلة، القدرية وغيرها مما ورد على لسان الرواة في كتب الرجال التي ورثناها عن ذلك العصر، خير مصداق لأوضاع تلك الفترة.

وقد تم تغيير تلك الأوضاع بفضل رجال مثل أحمد بن حنبل بالدرجة الأولى وعلماء آخرين. حتى أبي حنيفة إمام السنة لم يسلم لقرون من اتهامه تارة بالمرجئي، وأخرى بمخالفة الحديث أو غير ذلك من الاتهامات الواهية.

في مقابل كل ذلك هناك إرث القرون الطويلة الذي ساعد إلى حد بعيد على تمييع الحدود، ومن أهم ثماره التقديس الذي تكنه كل الأطراف لثورة الإمام الحسين(ع)، حيث لم تعد ثورة إسلامية أو شأناً إسلامياً فحسب، بل أضحت ثورة إنسانية تهفو إليها نفوس كل الأحرار الذين يتوقون إلى رفع نير الظلم عنهم.

الهوامش:

1 ـ إبن عقدة، كتاب الولاية، تحقيق عبدالرزاق حرزالدين، قم، دليل، 1421هـ، ص59 (المقدمة).
2ـ مقاتل الطالبيين، تنقيح أحمد صفر، ص141.
3ـ نفس المصدر، ص310.
4ـ نفس المصدر، ص314.
5ـ نفس المصدر، ص313.
6ـ نفس المصدر، ص314.
7ـ نفس المصدر، ص314.
8ـ نفس المصدر، ص315، توفي أبو حنيفة عام 150هـ عن سبعين سنة.
9ـ نفس المصدر، ص316.
10ـ نفس المصدر، ص324.
11ـ نفس المصدر، ص325.
12ـ راجع: رسول جعفريان (دور أحمد بن حنبل في تعديل المذاهب السنية)، مقالات تاريخية، القسم السادس، قم، الهادي، 1999م.
13ـ راجع: معجم الأدباء، ج20، ص18.
14ـ الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الإثنى عشرية عند الإمامية، بيروت، دار صادر، ص41.
15ـ راجع كشف الغمة، ج1، ص77، 94، 116، 137، 161، 31، 314، 325، 326.
16ـ راجع: علي بن عيسى الأربلي، كشف الغمة، قم، 1993، مؤتمر الشيخ المفيد، ص74.
17ـ تاريخ گزيده (المختار من التاريخ): تحقيق عبدالحسين نوايي، ص 198، 201.
18ـ الأئمة الإثنى عشر، ص118.
19ـ راجع: نشر دانش، السنة الرابعة عشرة، عدد مارس، ص58.
20ـ كتاب الأدب الفارسي لـ C. A. Storey (1888ـ 1967م)، ص775.
21ـ نشر هذا الجزء من الكتاب في مجلة ميراث اسلامي ايران، القسم الرابع.
22ـ كتاب الأدب الفارسي لـ C. A. Storey (1888ـ 1967م)، ص949.
23ـ أورد الخوارزمي الحنفي هذه القصيدة كاملة في كتاب مقتل الحسين(ع) (ج2، ص136)، وإليك أبياتاًً أخرى منها:
تصــاريف أيــام لـــهن خطــوب           وممـا نفى نومي وشيــــب لمتي
وإن كـــــرهتها أنفـس و قلـــوب           فمن مبلغ عني الحسين رســالة
صبيغ بمــاء الأرجــوان خضيب           قتيـلاَ بلا جــرم كــأن قميصــه
وكـادت لـهم صـم الجبــال تذوب          تـــزلـزلـت الدنــيا لآل محمـــد
وهتـك أســـــــتار وشـقّ جيــوب           وغارت‏ نجوم واقشعرت‏كواب
كما نقل هذه القصيدة جمال الدين زرندي مدني في كتاب معراج الوصول في معرفة آل الرسول (المخطوطة، الورقة 31ب، نقلاً عن زفرات الثقلين، ج1، ص290). ابن شهرآشوب (المناقب، ج3).
24ـ كتاب النقض، ص370 ـ 373.
25ـ روضة الشهداء، ص354.
26ـ نفس المصدر، ص12 ـ 13.
27 ـ سلسلة الذهب، ص178.
28 ـ نفس المصدر، ص146.
29ـ فخر الدين علي كاشفي، رشحات، ج1، ص257، مقامات جامي 169 نقلاً عن نجيب مايل هروي، جامي، ص118.
30ـ نفس المصدر، ص56.
31ـ ديوان جامي، ص78.
32ـ الخوارزمي، مقتل الحسين(ع) ص390(في نهاية الجزء الذي يتحدث فيه عن مناقب الإمام علي(ع)).
33ـ نفس المصدر، ج2، ص143، 182.